الشنقيطي
358
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى ( 71 ) [ 71 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن سحرة فرعون لما آمنوا برب هارون وموسى قال لهم فرعون منكرا عليهم : آمَنْتُمْ لَهُ أي صدقتموه في أنه نبي مرسل من اللّه ، وآمنتم باللّه قبل أن آذن لكم . يعني أنهم لم يكفوا عن الإيمان حتى يأذن لهم ، لأنه يزعم أنهم لا يحق لهم أن يفعلوا شيئا إلا بعد إذنه هو لهم . وقال لهم أيضا : إن موسى هو كبيرهم ؛ أي كبير السحرة وأستاذهم الذي علمهم السحر . ثم هددهم مقسما على أنه يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف : يعني اليد اليمنى والرجل اليسرى مثلا ؛ لأنه أشد على الإنسان من قطعهما من جهة واحدة . لأنه إن كان قطعهما من جهة واحدة يبقى عنده شق كامل صحيح ، بخلاف قطعهما من خلاف . فالجنب الأيمن يضعف بقطع اليد ، والأيسر يضعف بقطع الرجل كما هو معلوم . وأنه يصلبهم في جذوع النخل ، وجذع النخلة هو أخشن جذع من جذوع الشجر ، والتصليب عليه أشد من التصليب على غيره من الجذوع كما هو معروف . وما ذكره جل وعلا عنه هنا أوضحه في غير هذا الموضع أيضا ؛ كقوله في سورة « الشعراء » : قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ( 49 ) [ الشعراء : 49 ] . وذكر هذا أيضا في سورة « الأعراف » وزاد فيها التصريح بفاعل قال : وادعاء فرعون أن موسى والسحرة تمالؤوا على أن يظهروا أنه غلبهم مكرا ليتعاونوا على إخراج فرعون وقومه من مصر ؛ وذلك في قوله : قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 123 ) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ( 124 ) [ الأعراف : 123 - 124 ] « وقوله في « طه » : وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ يبين أن التصليب في جذوع النخل هو مراده بقوله في « الأعراف ، والشعراء » : لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ؛ أي في جذوع النخل وتعدية التصليب ب « في » أسلوب عربي معروف ، ومنه قول سويد بن أبي كاهل : هم صلبوا العبدي في جذع نخلة * فلا عطست شيبان إلا بأجدعا ومعلوم عند علماء البلاغة : أن في مثل هذه الآية استعارة تبعية في معنى الحرف كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى إيضاح كلامهم في ذلك ونحوه في سورة « القصص » . وقد أوضحنا في كتابنا المسمى ( منع جواز المجاز في المنزل التعبد والإعجاز ) . أن ما يسميه البلاغيون من أنواع المجاز مجازا كلها أساليب عربية نطقت بها العرب في لغتها . وقد بينا وجه عدم جواز المجاز في القرآن وما يترتب على ذلك من المحذور . وقوله في هذه الآية الكريمة : وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى ( 71 ) قال بعض أهل العلم : وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا : يعني أنا ، أم رب موسى أشد عذابا وأبقى . واقتصر على هذا القرطبي ؛ وعليه ففرعون يدعي أن عذابه أشد وأبقى من عذاب اللّه ؛ وهذا كقوله : أَنَا رَبُّكُمُ