الشنقيطي
356
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الصحيح : أن شيطانا أراد أن يفسد عليه صلاته ، فأمكنه اللّه منه . فكذلك السحر ما ناله من ضرره ما يدخل نقصا على ما يتعلق بالتبليغ ، بل هو من جنس ما كان يناله من ضرر سائر الأمراض : من ضعف عن الكلام ، أو عجز عن بعض الفعل ، أو حدوث تخيل لا يستمر بل يزول ؛ ويبطل اللّه كيد الشياطين . واستدل ابن القصار على أن الذي أصابه كان من جنس المرض بقوله في آخر الحديث : « أما أنا فقد شفاني اللّه » وفي الاستدلال به نظر ؛ لكن يؤيد المدعي أن في رواية عمرة عن عائشة عند البيهقي في الدلائل : فكان يدور ولا يدري ما وجعه . وفي حديث ابن عباس عند ابن سعد : مرض النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأخذ عن النساء والطعام والشراب . فهبط عليه ملكان . الحديث - انتهى من ( فتح الباري ) . وعلى كل حال فهو صلّى اللّه عليه وسلّم معصوم بالإجماع من كل ما يؤثر خللا في التبليغ والتشريع . وأما بالنسبة إلى الأعراض البشرية : كأنواع الأمراض والآلام ، ونحو ذلك فالأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم يعتريهم من ذلك ما يعتري البشر ؛ لأنهم بشر كما قال تعالى عنهم : إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [ إبراهيم : 11 ] ونحو ذلك من الآيات . وأما قوله تعالى : إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً ( 47 ) [ الإسراء : 47 ] فمعناه أنهم يزعمون أنه صلّى اللّه عليه وسلّم مسحور أو مطبوب ، قد خبله السحر فاختلط عقله فالتبس عليه أمره . يقولون ذلك لينفروا الناس عنه . وقال مجاهد : « مسحورا » أي مخدوعا ؛ مثل قوله فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ( 89 ) [ المؤمنون : 89 ] أي من أين تخدعون . ومعنى هذا راجع إلى ما قبله ؛ لأن المخدوع مغلوب في عقله . وقال أبو عبيدة مَسْحُوراً معناه أن له سحرا أي رئة فهو لا يستغني عن الطعام والشراب ، فهو مثلكم وليس بملك ؛ كقولهم ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان : 7 ] ، وقوله عن الكفار ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ( 33 ) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ( 34 ) [ المؤمنون : 33 - 34 ] ونحو ذلك من الآيات . ويقال لكل من أكل أو شرب من آدمي أو غيره : مسحور ومسحر ؛ ومنه قول لبيد : فإن تسألينا فيم نحن فإننا * عصافير من هذا الأنام المسحر وقال امرؤ القيس : أرانا موضعين لأمر غيب * ونسحر بالطعام وبالشراب أي نغذي ونعلل . وإذا علمت أن أقوال العلماء في قوله « مسحورا » راجعة إلى دعواهم اختلال عقله