الشنقيطي
353
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قال مقيده عفا اللّه عنه : التحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه في هذه المسألة : أن استخراج السحر إن كان بالقرآن كالمعوذتين ، وآية الكرسي ونحو ذلك مما تجوز الرقيا به فلا مانع من ذلك . وإن كان بسحر أو بألفاظ عجمية ، أو بما لا يفهم معناه ، أو بنوع آخر مما لا يجوز فإنه ممنوع . وهذا واضح وهو الصواب إن شاء اللّه تعالى كما ترى . وقال ابن حجر في فتح الباري ما نصه : ( تكميل ) قال ابن القيم رحمه اللّه : من أنفع الأدوية ، وأقوى ما يوجد من النشرة مقاومة السحر الذي هو من تأثيرات الأرواح الخبيثة بالأدوية ، الإلهية : من الذكر ، والدعاء ، والقراءة ؛ فالقلب إذا كان ممتلئا من اللّه ، معمورا بذكره ، وله ورد من الذكر والدعاء والتوجه ، لا يخل به - كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له . قال : وسلطان تأثير السحر هو في القلوب الضعيفة ؛ ولهذا غالب ما يؤثر فيه النساء والصبيان والجهال ؛ لأن الأرواح الخبيثة إنما تنشط على الأرواح ، تلقاها مستعدة لما يناسبها - انتهى ملخصا . ويعكر عليه حديث الباب ، وجواز السحر على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، مع عظيم مقامه ، وصدق توجهه ، وملازمة ورده ولكن يمكن الانفصال عن ذلك بأن الذي ذكره محمول على الغالب ، وإنما وقع به صلّى اللّه عليه وسلّم لبيان تجويز ذلك ، واللّه أعلم - انتهى من فتح الباري . المسألة التاسعة اعلم أن العلماء اختلفوا في تحقيق القدر الذي يمكن أن يبلغه تأثير السحر في المسحور ، واعلم أن لهذه المسألة واسطة وطرفين : طرف لا خلاف في أن تأثير السحر يبلغه كالتفريق بين الرجل وامرأته ، وكالمرض الذي يصيب المسحور من السحر ونحو ذلك ، ودليل ذلك القرآن والسنة الصحيحة . أما القرآن فقوله تعالى : فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [ البقرة : 102 ] فصرح جل وعلا في هذه الآية الكريمة بأن من تأثير السحر التفريق بين المرء وزوجه . وأما السنة فما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة رضي اللّه عنها بألفاظ متعددة متقاربة : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن ؛ فقال : « يا عائشة أعلمت أن اللّه قد أفتاني فيما استفتيته فيه ، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي ، والآخر عند رجلي ، فقال الذي عند رأسي للآخر : ما بال الرجل ؟ قال : مطبوب ، قال : ومن طبه ؟ قال : لبيد بن الأعصم رجل من بني زريق حليف اليهودي كان منافقا ، قال : وفيم ؟ قال : في مشط ومشاطة ؟ قال : وأين ؟ قال : في جف طلعة ذكر تحت راعوفة في بئر ذروان » قالت : فأتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم البئر حتى استخرجه ، فقال : « هذه البئر التي أريتها ، وكأن ماءها نقاعة الحناء ، وكان نخلها رؤوس الشياطين ، فاستخرج » قالت فقلت : أفلا أي تنشرت ؟ فقال : « أما اللّه فقد شفاني وأكره أن أثير على أحد من الناس شرا » ا ه هذا لفظ البخاري في بعض رواياته لهذا الحديث . والقصة مشهورة صحيحة . ففي هذا