الشنقيطي

350

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الرجل ، والواقع بخلاف ذلك . وقول عمر « اقتلوا كل ساحر » « 1 » يدل على ذلك لصيغة العموم . وممن قال بمقتضى هذه الآثار وهذا الحديث : مالك ، وأبو حنيفة ، وأحمد في أصح الروايتين ، وعمر ، وعثمان ، وابن عمر ، وحفصة ، وجندب بن عبد اللّه ، وجندب بن كعب ، وقيس بن سعد ، وعمر بن عبد العزيز . وغيرهم ، كما نقله عنهم ابن قدامة في ( المغني ) « 2 » خلافا للشافعي ، وابن المنذر ومن وافقهما . واحتج من قال : بأنه إن كان سحره لم يبلغ به الكفر لا يقتل بحديث ابن مسعود المتفق عليه « لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث . . . » « 3 » الحديث ، وقد قدمناه مرارا . وليس السحر الذي لم يكفر صاحبه من الثلاث المذكورة . قال القرطبي منتصرا لهذا القول : وهذا صحيح ، ودماء المسلمين محظورة لا تستباح إلا بيقين ، ولا يقين مع الاختلاف ، واللّه أعلم . واحتجوا أيضا بأن عائشة رضي اللّه عنها باعت مدبرة لها سحرتها « 4 » ، ولو وجب قتلها لما حل بيعها ؛ قاله ابن المنذر وغيره . وما حاوله بعضهم من الجمع بين الأدلة المذكورة بحمل السحر على الذي يقتضي الكفر في قول من قال بالقتل ، وحمله على الذي لا يقتضي الكفر في قول من قال بعدم القتل - لا يصح ؛ لأن الآثار الواردة في قتله جاءت بقتل الساحر الذي سحره من نوع الشعوذة كساحر جندب الذي قتله ، وليس ذلك مما يقتضي الكفر المخرج من ملة الإسلام ، كما تقدم إيضاحه . فالجمع غير ممكن . وعليه فيجب الترجيح ، فبعضهم يرجح عدم القتل بأن دماء المسلمين حرام إلا بيقين . وبعضهم يرجح القتل بأن أدلته خاصة ولا يتعارض عام وخاص ؛ لأن الخاص يقضي على العام عند أكثر أهل الأصول كما هو مقرر في محله . قال مقيده عفا اللّه عنه : والأظهر عندي أن الساحر الذي لم يبلغ به سحره الكفر ولم يقتل به إنسانا أنه لا يقتل ؛ لدلالة النصوص القطعية ، والإجماع على عصمة دماء المسلمين عامة إلا بدليل واضح . وقتل الساحر الذي لم يكفر بسحره لم يثبت فيه شيء عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والتجرؤ على دم مسلم من غير دليل صحيح من كتاب أو سنة مرفوعة غير ظاهر عندي . والعلم عند اللّه تعالى ، مع أن القول بقتله مطلقا قوي جدا لفعل الصحابة له من غير نكير . المسألة السابعة اعلم أن الناس اختلفوا في تعلم السحر من غير عمل به . هل يجوز أو لا ؟ والتحقيق

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) المغني ، كتاب المرتد 8 / 153 . ( 3 ) سبق تخريجه . ( 4 ) أخرجه عن عمرة أحمد في المسند 6 / 40 .