الشنقيطي
342
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
النبيل حاذقا في علم الفراسة عرف من ينقاد له من الناس من غيره . النوع الثامن من أنواع السحر - السعي بالنميمة والتضريب من وجوه لطيفة خفية وذلك شائع في الناس ا ه . والتضريب بين القوم : إغراء بعضهم على بعض . وقال ابن كثير رحمه اللّه بعد أن نقل هذا النوع الأخير عن الرازي قلت : النميمة على قسمين : تارة تكون على وجه التحريش بين الناس ، وتفريق قلوب المؤمنين ؛ فهذا حرام متفق عليه . فأما إن كانت على وجه الإصلاح بين الناس ، وائتلاف كلمة المسلمين كما جاء في الحديث « ليس الكذاب من ينم خيرا » « 1 » أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة ، فهذا أمر مطلوب كما جاء في الحديث « الحرب خدعة » « 2 » ، وكما فعل نعيم بن مسعود في تفريقه بين كلمة الأحزاب وبين قريظة ، جاء إلى هؤلاء ونمى إليهم عن هؤلاء ، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئا آخر ، ثم لأم بين ذلك فتناكرت النفوس وافترقت . وإنما يحذو على مثل هذا الذكاء ذو البصيرة النافذة . واللّه المستعان . ثم قال الرازي : فهذه جملة الكلام في أقسام السحر وشرح أنواعه وأصنافه . قلت : وإنما أدخل كثيرا من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر للطافة مداركها ؛ لأن السحر في اللغة عبارة عما لطف وخفي سببه ، ولهذا جاء في الحديث « إن من البيان لسحرا » « 3 » وسمي السحور سحورا لكونه يقع خفيا آخر الليل . والسحر : الرئة وهي محل الغذاء ، وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن وغضونه ، كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة : انتفخ سحره ، أي انتفخت رئته من الخوف . وقالت عائشة رضي اللّه عنها : توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين سحري ونحري « 4 » . وقال تعالى : سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ [ الأعراف : 116 ] أي أخفوا عنهم عملهم - انتهى كلام ابن كثير رحمه اللّه تعالى . هذا هو حاصل الأقسام الثمانية التي ذكر الفخر الرازي في تفسيره في سورة « البقرة » انقسام السحر إليها . ولأهل العلم فيه تقسيمات متعددة يرجع غالبها إلى هذه الأقسام المذكورة وقد قسمه الشيخ سيدي عبد اللّه ابن الحاج إبراهيم العلوي الشنقيطي صاحب
--> ( 1 ) أخرجه عن أم كلثوم : البخاري في الصلح حديث 2692 ، ومسلم في البر والصلة والآداب حديث 101 . ( 2 ) أخرجه عن أبي هريرة وجابر بن عبد اللّه وعلي بن أبي طالب : البخاري في الجهاد والسير حديث 3027 و 3028 و 3030 ، واستتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم حديث 6930 ، ومسلم في الزكاة حديث 154 ، والجهاد والسير حديث 17 . ( 3 ) أخرجه عن ابن عمر البخاري في النكاح حديث 5146 ، والطب حديث 5767 . وأخرجه عن عمار بن ياسر مسلم في الجمعة حديث 47 . ( 4 ) أخرجه البخاري في الجنائز حديث 1389 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 84 .