الشنقيطي
34
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فإن قيل : كيف يكون الوصيد هو الباب في الآية ، والكهف غار في جبل لا باب له ؟ فالجواب : أن الباب يطلق على المدخل الذي يدخل للشيء منه ؛ فلا مانع من تسمية المدخل إلى الكهف بابا . ومن قال : الوصيد الفناء لا يخالف ما ذكرنا ؛ لأن فناء الكهف هو بابه . وقد قدمنا مرارا أن من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك : أن يقول بعض العلماء في الآية قولا وتكون في الآية قرينة تدل على خلافه . وقد قال بعض أهل العلم في هذه الآية الكريمة : إن المراد بالكلب في هذه الآية - رجل منهم لا كلب حقيقي . واستدلوا لذلك ببعض القراءات الشاذة ، كقراءة « وكالبهم باسط ذراعيه بالوصيد » وقراءة « وكالئهم باسط ذراعيه » . وقوله جل وعلا : باسِطٌ ذِراعَيْهِ قرينة على بطلان ذلك القول ؛ لأن بسط الذراعين معروف من صفات الكلب الحقيقي ، ومنه حديث أنس المتفق عليه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب » « 1 » وهذا المعنى مشهور في كلام العرب ، فهو قرينة على أنه كلب حقيقي . وقراءة « وكالئهم » بالهمزة لا تنافي كونه كلبا ، لأن الكلب يحفظ أهله ويحرسهم . والكلاءة : الحفظ . فإن قيل : ما وجه عمل اسم الفاعل الذي هو « باسط » في مفعوله الذي هو « ذراعيه » والمقرر في النحو أن اسم الفاعل إذا لم يكن صلة « ال » لا يعمل إلا إذا كان واقعا في الحال أو المستقبل ؟ فالجواب - أن الآية هنا حكاية حال ماضية ، ونظير ذلك من القرآن قوله تعالى : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] ، وقوله تعالى : وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 72 ) [ البقرة : 72 ] . واعلم أن ذكره جل وعلا في كتابه هذا الكلب ، وكونه باسطا ذراعيه بوصيد كهفهم في معرض التنويه بشأنهم - يدل على أن صحبة الأخيار عظيمة الفائدة . قال ابن كثير رحمه اللّه في تفسير هذه الآية الكريمة : وشملت كلبهم بركتهم ، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال ، وهذا فائدة صحبة الأخيار ، فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخير وشأن ا ه . ويدل لهذا المعنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لمن قال إني أحب اللّه ورسوله : « أنت مع من أحببت » « 2 » متفق عليه من حديث أنس .
--> ( 1 ) أخرجه عن أنس بن مالك : البخاري في مواقيت الصلاة حديث 533 ، والآذان والجماعة حديث 822 ، ومسلم في الصلاة حديث 233 . ( 2 ) أخرجه عن أنس بن مالك : البخاري في الأدب حديث 6171 ، ومسلم في البر والصلة والآداب حديث 161 و 162 و 163 و 164 .