الشنقيطي
332
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ألا يا لقومي للخيال المشوق * وللدار تنأى بالحبيب ونلتقي وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ( 66 ) يدل على أن السحر الذي جاء به سحرة فرعون تخييل لا حقيقة له في نفس الأمر . وهذا الذي دلت عليه آية « طه » هذه - دلت عليه آية « الأعراف » وهي قوله تعالى : فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ [ الأعراف : 116 ] الآية ، لأن قوله : سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ يدل على أنهم خيلوا لأعين الناظرين أمرا لا حقيقة له . وبهاتين الآيتين احتج المعتزلة ومن قال بقولهم على أن السحر خيال لا حقيقة له . والتحقيق الذي عليه جماهير العلماء من المسلمين : أن السحر منه ما هو أمر له حقيقة لا مطلق تخييل لا حقيقة له ، ومما يدل على أن منه ما له حقيقة قوله تعالى : فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [ البقرة : 102 ] فهذه الآية تدل على أنه شيء موجود له حقيقة تكون سببا للتفريق بين الرجل وامرأته وقد عبر اللّه عنه بما الموصولة وهي تدل على أنه شيء له وجود حقيقي . ومما يدل على ذلك أيضا قوله تعالى : وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ ( 4 ) [ الفلق : 4 ] يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن . فلو لا أن السحر حقيقة لم يأمر اللّه بالاستعاذة منه . وسيأتي إن شاء اللّه أن السحر أنواع : منها ما هو أمر له حقيقة ، ومنها ما هو تخييل لا حقيقة له . وبذلك يتضح عدم التعارض بين الآيات الدالة على أن له حقيقة ، والآيات الدالة على أنه خيال . فإن قيل : قوله في « طه » : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ [ 66 ] الآية ، وقوله في « الأعراف » : سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ [ الأعراف : 116 ] الدالان على أن سحر سحرة فرعون خيال لا حقيقة له ، يعارضهما قوله في « الأعراف » : وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ( 116 ) [ الأعراف : 116 ] لأن وصف سحرهم بالعظم يدل على أنه غير خيال . فالذي يظهر في الجواب - واللّه أعلم - أنهم أخذوا كثيرا من الحبال والعصي ، وخيلوا بسحرهم لأعين الناس أن الحبال والعصي تسعى وهي كثيرة . فظن الناظرون أن الأرض ملئت حيات تسعى ، لكثرة ما ألقوا من الحبال والعصي فخافوا من كثرتها ، وبتخييل سعي ذلك العدد الكثير وصف سحرهم بالعظم . وهذا ظاهر لا إشكال فيه . وقد قال غير واحد : إنهم جعلوا الزئبق على الحبال والعصي ، فلما أصابها حر الشمس تحرك الزئبق فحرك الحبال والعصي ، فخيل للناظرين أنها تسعى . وعن ابن عباس : أنهم كانوا اثنين وسبعين ساحرا ، مع كل ساحر منهم حبال وعصي . وقيل : كانوا أربعمائة . وقيل كانوا اثني عشر ألفا . وقيل أربعة عشر ألفا . وقال ابن المنكدر : كانوا ثمانين ألفا . وقيل : كانوا مجمعين على رئيس يقال له شمعون . وقيل : كان اسمه يوحنا معه اثني عشر نقيبا ، مع كل نقيب عشرون عريفا ، مع كل عريف ألف ساحر . وقيل : كانوا ثلاثمائة ألف ساحر من الفيوم ، وثلاثمائة ألف ساحر من الصعيد وثلاثمائة ألف ساحر من