الشنقيطي

324

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أظهر القولين أنّ الإضافة في قوله آياتِنا مضمنة معنى العهد كالألف واللام . والمراد بآياتنا المعهودة لموسى كلها وهي التسع المذكورة في قوله : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ [ الإسراء : 101 ] الآية ، وقوله تعالى : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ [ النمل : 12 ] الآية . وقال بعضهم : الآيات التسع المذكورة هي : العصا ، واليد البيضاء ، وفلق البحر ، والحجر الذي انفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، والجراد ، والقمّل ، والضفادع ، والدم ، ونتق الجبل فوقهم كأنّه ظلّة . وقد قدّمنا كلام أهل العلم في الآيات التسع في سورة « الإسراء » . وقال بعض أهل العلم : العموم على ظاهره ، وإن اللّه أرى فرعون جميع الآيات الّتي جاء بها موسى ، والّتي جاء بها غيره من الأنبياء ، وذلك بأن عرّفه موسى جميع معجزاته ومعجزات سائر الأنبياء . والأوّل هو الظاهر . وقد بيّن جلّ وعلا في غير هذا الموضع : أنّ الآيات التي أراها فرعون وقومه بعضها أعظم من بعض ، كما قال تعالى في سورة « الزخرف » : وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها [ الزخرف : 48 ] ، وقوله : لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى ( 23 ) [ طه : 23 ] ، وقوله : فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى ( 20 ) [ النازعات : 20 ] لأنّ الكبرى في الموضعين تأنيث الأكبر ، وهي صيغة تفضيل تدلّ على أنها أكبر من غيرها . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : فَكَذَّبَ وَأَبى ( 56 ) يعني أنّه مع ما أراه اللّه من الآيات المعجزات الدالّة على صدق نبيّه موسى ، كذب رسول ربّه موسى ، وأبى عن قبول الحق . وقد أوضح جلّ وعلا في غير هذا الموضع شدّة إبائه وعناده وتكبره على موسى في مواضع كثيرة من كتابه ؛ كقوله : وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ( 132 ) [ الأعراف : 132 ] ، وقوله تعالى : فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ ( 47 ) [ الزخرف : 47 ] وقوله : لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [ الشعراء : 29 ] ، وقوله تعالى : وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 51 ) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ ( 52 ) فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ( 53 ) [ الزخرف : 51 - 53 ] . ومقصوده بذلك كلّه تعظيم أمر نفسه وتحقير أمر موسى ، وأنّه لا يمكن أن يتبع الفاضل المفضول . وقد بيّن جلّ وعلا : أنّ فرعون كذّب وأبى ، وهو عالم بأنّ ما جاء به موسى حقّ . وأن الآيات الّتي كذّب بها وأبى عن قبولها ما أنزلها إلّا اللّه ، وذلك في قوله تعالى : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا [ النمل : 14 ] ؛ وقوله قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً ( 102 ) [ الإسراء : 102 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقوله أَرَيْناهُ أصله من رأى البصرية على الصحيح .