الشنقيطي

321

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فالأزواج : جمع زوج ، وهو هنا الصنف من النبات ، كما قال تعالى في سورة « الحج » : وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( 5 ) [ الحج : 5 ] أي من كل صنف حسن من أصناف النبات ، وقال تعالى في سورة « لقمان » : خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( 10 ) [ لقمان : 10 ] أي من كل نوع حسن من أنواع النبات ، وقال تعالى في سورة « يس » : سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ( 36 ) [ يس : 36 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقوله شَتَّى ( 53 ) نعت لقوله : أَزْواجاً ومعنى قوله : نَباتٍ شَتَّى ( 53 ) أي أصنافا مختلفة الأشكال والمقادير ، والمنافع والألوان ، والروائح والطعوم . وقيل شَتَّى ( 53 ) جمع ل « نبات » أي نبات مختلف كما بيّنا . والأظهر الأول ، وقوله شَتَّى ( 53 ) جمع شتيت ؛ كمريض ومرضى . والشتيت : المتفرّق ؛ ومنه قول رؤبة يصف إبلا جاءت مجتمعة ثمّ تفرّقت ، وهي تثير غبارا مرتفعا : جاءت معا وأطرقت شتيتا * وهي تثير الساطع السختيتا وثغر شتيت : أي متفلّج لأنّه متفرّق الأسنان ؛ أي ليس بعضها لاصقا ببعض . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا قد قدّمنا أنّ معنى السلك : الإدخال . وقوله سَلَكَ هنا معناه أنه جعل في داخل الأرض بين أوديتها وجبالها سبلا فجاجا يمرّ الخلق معها . وعبّر عن ذلك هنا بقوله : وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وعبّر في مواضع أخر عن ذلك بالجعل ، كقوله في « الأنبياء » : وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 31 ) [ الأنبياء : 31 ] وقوله في « الزخرف » : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 10 ) [ الزخرف : 10 ] وعبّر في بعض المواضع عن ذلك بالإلقاء كقوله في « النحل » : وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 15 ) [ النحل : 15 ] لأن عطف السنبل على الرواسي ظاهر في ذلك . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ أي كلوا أيها الناس من الثمار والحبوب الّتي أخرجناها لكم من الأرض بالماء الذي أنزلنا من جميع ما هو غذاء لكم من الحبوب والفواكه ونحو ذلك ، وارعوا أنعامكم ؛ أي أسيموها وسرّحوها في المرعى الذي يصلح لأكلها . تقول : رعت الماشية الكلأ ، ورعاها صاحبها : أي أسلمها وسرّحها . يلزم ويتعدّى . والأمر في قوله كُلُوا وَارْعَوْا للإباحة . ولا يخفى ما تضمّنه من الامتنان والاستدلال على استحقاق المنعم بذلك العبادة وحده . وما ذكره في هذه الآية الكريمة : من الامتنان على بني آدم بأرزاقهم وأرزاق أنعامهم جاء موضحا في مواضع أخر ؛ كقوله في سورة « السجدة » : فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ ( 27 ) [ السجدة : 27 ] ، وقوله في « النازعات » : أَخْرَجَ مِنْها ماءَها