الشنقيطي

317

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقوله تعالى : فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى ( 31 ) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 32 ) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى ( 33 ) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ( 34 ) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ( 35 ) [ القيامة : 31 - 35 ] إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى ( 49 ) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ( 50 ) [ 49 - 50 ] . ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّ موسى وهارون لمّا بلّغا فرعون ما أمرا بتبليغه إيّاه قال لهما : من ربّكما الّذي تزعمان أنّه أرسلكما إليّ ! ؟ زاعما أنّه لا يعرفه ؛ وأنّه لا يعلم لهما إلها غير نفسه ، كما قال : ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [ القصص : 38 ] ، وقال : لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ( 29 ) [ الشعراء : 29 ] . وبيّن جلّ وعلا في غير هذا الموضع أن قوله فَمَنْ رَبُّكُما تجاهل عارف بأنه عبد مربوب لربّ العالمين ، وذلك في قوله تعالى : قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ [ الإسراء : 102 ] الآية ، وقوله : فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 13 ) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا [ النمل : 13 - 14 ] كما تقدّم إيضاحه . وسؤال فرعون عن ربّ موسى ، وجواب موسى له جاء موضحا في سورة « الشعراء » بأبسط مما هنا ، وذلك في قوله : قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ( 23 ) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ( 24 ) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ ( 25 ) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ( 26 ) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ( 27 ) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ( 28 ) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ( 29 ) قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ( 30 ) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 31 ) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ( 32 ) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ( 33 ) [ الشعراء : 23 - 33 ] إلى آخر القصة . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ( 50 ) فيه للعلماء أوجه لا يكذب بعضها بعضا ، وكلّها حق ، ولا مانع من شمول الآية لجميعها . منها - أنّ معنى أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ( 50 ) أنّه أعطى كل شيء نظير خلقه في الصورة والهيئة ، كالذكور من بني آدم أعطاهم نظير خلقهم من الإناث أزواجا . وكالذكور من البهائم أعطاها نظير خلقها في صورتها وهيئتها من الإناث أزواجا ؛ فلم يعط الإنسان خلاف خلقه فيزوجه بالإناث من البهائم ، ولا البهائم بالإناث من الإنس ، ثم هدى الجميع لطريق المنكح الّذي منه النسل والنماء ، كيف يأتيه ، وهدى الجميع لسائر منافعهم من المطاعم والمشارب وغير ذلك . وهذا القول مروي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما من طريق علي بن أبي طلحة « 1 » ، وعن السدي وسعيد بن جبير ، وعن ابن عباس أيضا : ثُمَّ هَدى ( 50 ) أي هداه إلى الألفة

--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس ابن جرير الطبري في جامع البيان 16 / 131 .