الشنقيطي

298

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وهذا الذي تضمّنته هذه الآية الكريمة جاء مبيّنا في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة « الزّمر » : وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ ( 71 ) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ( 72 ) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ ( 73 ) [ الزمر : 71 - 73 ] . قوله تعالى : لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ( 87 ) [ 87 ] . قد قدّمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أنّ من أنواع البيان الّتي تضمّنها أن يكون في الآية وجهان أو أوجه من التّفسير كلّها حقّ ، وكلّ واحد منها يشهد له قرآن فإنّا نذكر الجميع وأدلته من كتاب اللّه تعالى لأنّه كلّه حقّ ، فإذا علمت ذلك فاعلم - أنّ هذه الآية الكريمة من ذلك النّوع . قال بعض أهل العلم : الواو في قوله لا يَمْلِكُونَ راجعة إلى الْمُجْرِمِينَ المذكورين في قوله وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ [ مريم : 86 ] أي لا يملك المجرمون الشّفاعة ، أي لا يستحقّون أن يشفّع فيهم شافع يخلّصهم ممّا هم فيه من الهول والعذاب . وهذا الوجه من التّفسير تشهد له آيات من كتاب اللّه ؛ كقوله تعالى : فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ ( 48 ) [ المدثر : 48 ] ، وقوله تعالى : فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ ( 100 ) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ( 101 ) [ الشعراء : 100 - 101 ] ، وقوله تعالى : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ( 18 ) [ غافر : 18 ] الآية ؛ وقوله : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء : 28 ] مع قوله : وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [ الزمر : 7 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . وهذا الوجه يفهم منه بالأحرى أنّ المجرمين لا يشفعون في غيرهم ، لأنّهم إذا كانوا لا يستحقّون أن يشفّع فيهم غيرهم لكفرهم فشفاعتهم في غيرهم ممنوعة من باب أولى . وعلى كون الواو في لا يَمْلِكُونَ راجعة إلى الْمُجْرِمِينَ فالاستثناء منقطع و « من » في محل نصب . والمعنى : لكن من اتّخذ عند الرحمن عهدا يملكون الشّفاعة ، أي بتمليك اللّه إياهم وإذنه لهم فيها . فيملكون الشّافعون بما ذكرنا ويستحقّها به المشفوع لهم ، قال تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ البقرة : 255 ] ، وقال : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ، وقال : * وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى ( 26 ) [ النجم : 26 ] . وقال بعض أهل العلم : الواو في قوله لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ راجعة إلى « المتّقين والمجرمين » جميعا المذكورين في قوله يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ( 85 ) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى