الشنقيطي

289

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فالحضارة العربيّة غنيّة بأنواع المنافع من النّاحية الأولى ، مفلسة إفلاسا كليا من الناحية الثانية . ومعلوم أنّ طغيان المادّة على الرّوح يهدّد العالم أجمع بخطر داهم ، وهلاك مستأصل ، كما هو مشاهد الآن . وحلّ مشكلته لا يمكن البتّة إلّا بالاستضاءة بنور الوحي السّماويّ الّذي هو تشريع خالق السّموات والأرض ، لأنّ من أطغته المادّة حتّى تمرّد على خالقه ورازقه لا يفلح أبدا . والتّقسيم الصّحيح يحصر أوصاف المحلّ الّذي هو الموقف من الحضارة الغربيّة في أربعة أقسام لا خامس لها ، حصرا عقليّا لا شكّ فيه : ( الأوّل ) ترك الحضارة المذكورة نافعها وضارّها . ( الثّاني ) أخذها كلّها وضارّها ونافعها . ( الثالث ) أخذ ضارّها وترك نافعها . ( الرابع ) أخذ نافعها وترك ضارّها . فنرجّع بالسبر الصّحيح إلى هذه الأقسام الأربعة ، فنجد ثلاثة منها باطلة بلا شكّ ، وواحدا صحيحا بلا شكّ . أمّا الثّلاثة الباطلة : فالأوّل منها تركها كلّها ، ووجه بطلانه واضح ، لأنّ عدم الاشتغال بالتّقدّم المادّيّ يؤدّي إلى الضّعف الدّائم ، والتّواكل والتّكاسل ، ويخالف الأمر السّماويّ في قوله جل وعلا : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [ الأنفال : 60 ] الآية . لا يسلم الشّرف الرّفيع من الأذى * حتّى يراق على جوانبه الدّم القسم الثّاني من الأقسام الباطلة - أخذها ، لأنّ ما فيها من الانحطاط الخلقي وضياع الرّوحية والمثل العليا للإنسانيّة - أوضح من أن أبيّنه . ويكفي في ذلك ما فيها من التمرّد على نظام السّماء ، وعدم طاعة خالق هذا الكون جلّ وعلا آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ( 59 ) [ يونس : 59 ] . أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [ الشورى : 21 ] . والقسم الثّالث من الأقسام الباطلة - هو أخذ الضّارّ وترك النّافع ، ولا شكّ أنّ هذا لا يفعله من له أقلّ تمييز . فتعينت صحّة القسم الرّابع بالتّقسيم والسّبر الصّحيح ، وهو أخذ النّافع وترك الضّارّ . وهكذا كان صلّى اللّه عليه وسلّم يفعل ، فقد انتفع بحفر الخندق في غزوة الأحزاب ، مع أنّ ذلك خطّة عسكرية كانت للفرس ، أخبره بها سلمان فأخذ بها . ولم يمنعه من ذلك أنّ أصلها للكفّار . وقد همّ صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يمنع وطء النّساء المراضع خوفا على أولادهنّ ، لأنّ العرب كانوا يظنّون أن الغيلة ( وهي وطء المرضع ) تضعف ولدها وتضرّه ، ومن ذلك قول الشاعر :