الشنقيطي
277
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وزعم بعض علماء العربيّة : أنّ الولد بفتح الواو والّلام مفرد . وأن الولد بضم الواو وسكون اللام جمع له ؛ كأسد بالفتح يجمع على أسد بضم فسكون . والظّاهر عدم صحّة هذا . وممّا يدلّ على أنّ « الولد » بالضّمّ ليس يجمع قول الشّاعر : فليت فلانا كان في بطن أمّه * وليت فلانا كان ولد حمار لأن « الولد » في هذا البيت بضمّ الواو وسكون الّلام ، وهو مفرد قطعا كما ترى . قوله تعالى : أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ( 78 ) كَلَّا [ 78 - 79 ] . اعلم أنّ اللّه جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة ردّ على العاص بن وائل السّهميّ قوله : إنّه يؤتى يوم القيامة مالا وولدا ، بالدّليل المعروف عند الجدليين بالتّقسيم والتّرديد ، وعند الأصولييّن بالسّير والتّقسيم . وعند المنطقييّن بالشّرطيّ المنفصل . وضابط هذا الدّليل العظيم أنّه متركّب من أصلين : أحدهما - حصر أوصاف المحلّ بطريق من طرق الحصر ، وهو المعبّر عنه بالتّقسيم عند الأصولييّن والجدليّين ، وبالشّرطيّ المنفصل عند المنطقيّين . والثّاني - هو اختيار تلك الأوصاف المحصورة ، وإبطال ما هو باطل منها وإبقاء ما هو صحيح منها كما سترى إيضاحه إن شاء اللّه تعالى . وهذا الأخير هو المعبّر عنه عند الأصوليين « بالسّبر » ، وعند الجدليّين « بالتّرديد » ، وعند المنطقيّين ، بالاستثناء في الشّرطيّ المنفصل . والتّقسيم الصّحيح في هذه الآية الكريمة يحصر أوصاف المحلّ في ثلاثة ، والسّبر الصّحيح يبطل اثنين منها ويصحّح الثّالث . وبذلك يتممّ إلقام العاص بن وائل الحجر في دعواه : أنّه تؤتى يوم القيامة مالا وولدا . أمّا وجه حصر أوصاف المحلّ في ثلاثة فهو أنّا نقول : قولك إنّك تؤتي مالا وولدا يوم القيامة لا يخلو مستندك فيه من واحد من ثلاثة أشياء : الأوّل - أن تكون اطّلعت على الغيب ، وعلمت أنّ إيتاءك المال والولد يوم القيامة ممّا كتبه اللّه في اللّوح المحفوظ . والثّاني - أن يكون اللّه أعطاك عهدا بذلك ، فإنّه إن أعطاك عهدا لن يخلفه . الثّالث - أن تكون قلت ذلك افتراء على اللّه من غير عهد ولا اطّلاع غيب . وقد ذكر تعالى القسمين الأوّلين في قوله : أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ( 78 ) مبطلا لهما بأداة الإنكار . ولا شكّ أنّ كلا هذين القسمين باطل . لأنّ العاص المذكور لم يطّلع الغيب ؛ ولم يتّخذ عند الرّحمن عهدا . فتعيّن القسم الثّالث وهو أنّه قال ذلك افتراء