الشنقيطي
270
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
كونها متّصفة بما ذكرنا عارضوها واحتجّوا على بطلانها ، وأنّ الحقّ معهم لا مع من يتلوها بشبهة ساقطة لا يحتجّ بها إلّا من لا عقل له . ومضمون شبهتهم المذكورة : أنّهم يقولون لهم : نحن أوفر منكم حظّا في الدّنيا ، فنحن أحسن منكم منازل ، وأحسن منكم متاعا ، وأحسن منكم منظرا ، فلولا أنّنا أفضل عند اللّه منكم لما آثرنا عليكم في الحياة الدّنيا ، وأعطانا من نعيمها وزينتها ما لم يعطكم . فقوله : أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً أي نحن وأنتم أيّنا خير مقاما . والمقام على قراءة ابن كثير بضمّ الميم محلّ الإقامة ، وهو المنازل والأمكنة الّتي يسكنونها . وعلى قراءة الجمهور فالمقام بفتح الميم مكان القيام وهو موضع قيامهم وهو مساكنهم ومنازلهم . وقيل : وهو موضع القيام بالأمور الجليلة ، والأوّل هو الصواب . وقوله : وَأَحْسَنُ نَدِيًّا أي مجلسا ومجتمعا . والاستفهام في قوله : أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ الظّاهر أنّه استفهام تقرير ؛ ليحملوا به ضعفاء المسلمين الّذين هم في تقشّف ورثاثة هيئة على أن يقولوا أنتم خير مقاما وأحسن نديا منّا . وعلى كل حال فلا خلاف أنّ مقصودهم بالاستفهام المذكور أنّهم - أي كفّار قريش - خير مقاما وأحسن نديّا من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأنّ ذلك هو دليلهم على أنّهم على الحقّ ، وأنّهم أكرم على اللّه من المسلمين . وما في التّلخيص وشروحه من أنّ السّؤال ب « أي » في الآية الّتي نحن بصددها سؤال بها عمّا يميّز أحد المشتركين في أمر يعمّهما كالعادة في أيّ غلط منهم ؛ لأنّهم فسروا الآية الكريمة بغير معناها الصّحيح . والصّواب ما ذكرناه إن شاء اللّه تعالى . واستدلالهم هذا بحظّهم في الحياة الدّنيا على حظهم يوم القيامة ، وأنّ اللّه ما أعطاهم في الدّنيا إلا لمكانتهم عنده ، واستحقاقهم لذلك القيامة ، وأنّ اللّه ما أعطاهم في الدّنيا إلا لمكانتهم عنده ، واستحقاقهم لذلك لسخافة عقولهم - ذكره اللّه تعالى في مواضع من كتابه ؛ كقوله تعالى عنهم : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ ( 11 ) [ الأحقاف : 11 ] ، وقوله تعالى : وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ( 53 ) [ الأنعام : 53 ] ، وقوله تعالى : وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 35 ) [ سبأ : 35 ] ، وقوله تعالى : أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ( 55 ) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ( 56 ) [ المؤمنون : 55 - 56 ] ، وقوله أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا [ 77 ] ، وقوله قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً ( 35 ) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً ( 36 ) [ الكهف : 35 - 36 ] ، وقوله : وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى [ فصلت : 50 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . فكلّ هذه الآيات دالة على أنّهم لجهلهم يظنّون أنّ اللّه لم يعطهم نصيبا من الدّنيا إلّا لرضاه عنهم ، ومكانتهم عنده ، وأنّ الأمر في الآخرة سيكون كذلك .