الشنقيطي

268

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقوله تعالى في الآية الكريمة : كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ( 71 ) يعني أنّ ورودهم النّار المذكور كان حتما على ربك مقضيّا ، أي أمرا واجبا مفعولا لا محالة ، والحتم : الواجب الّذي لا محيد عنه ، ومنه قول أميّة بن أبي الصّلت الثّقفي : عبادك يخطئون وأنت ربّ * يكفّيك المنايا والحتوم فقوله : « والحتوم » جمع حتم ، يعني الأمور الواجبة الّتي لا بدّ من وقوعها . وما ذكره جماعة من أهل العلم من أنّ المراد بقوله : « حَتْماً مَقْضِيًّا قسما واجبا » « 1 » ، كما روي عن عكرمة وابن مسعود ومجاهد وقتادة وغيرهم - لا يظهر كل الظّهور . واستدلّ من قال : إنّ في الآية قسما بحديث أبي هريرة الثّابت في الصّحيحين . قال البخاري في صحيحه : حدّثنا علي ، حدّثنا سفيان قال : سمعت الزّهري عن سعيد بن المسيّب ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النّار إلا تحلّة القسم » قال أبو عبد اللّه : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها ا ه . وقال مسلم في صحيحه : حدثنا يحيى بن يحيى قال : قرأت على مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيّب ، عن أبي هريرة ، عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسّه النّار إلا تحلّة القسم » . حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وعمرو النّاقد ، وزهير بن حرب قالوا ؛ حدّثنا سفيان بن عيينة ( ح ) وحدّثنا عبد بن حميد ، وابن رافع ، عن عبد الرّزاق ، أخبرنا معمر كلاهما عن الزّهري بإسناد مالك ، وبمعنى حديثه إلّا أنّ في حديث سفيان « فيلج النّار إلا تحلة القسم » « 2 » ا ه . قالوا ؛ المراد بالقسم المذكور في هذا الحديث الصّحيح هو قوله تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ( 71 ) وهو معنى ما ذكرنا عن البخاري في قوله : قال أبو عبد اللّه وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها . والّذين استدلّوا بالحديث المذكور على أنّ الآية الكريمة قسما اختلفوا في موضع القسم من الآية ، فقال بعضهم : هو مقدّر دلّ عليه الحديث المذكور ، أي واللّه وإن منكم إلّا واردها . وقال بعضهم : هو معطوف على القسم قبله ، والمعطوف على القسم قسم ، والمعنى : فوربّك لنحشرنّهم والشّياطين وربك إن منكم إلّا واردها ، وقال بعضهم : القسم المذكور مستفاد من قوله : كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ( 71 ) أي قسما واجبا كما قدّمناه عن ابن مسعود ومجاهد ، وعكرمة ، وقتادة . وقال بعضهم : يحتمل أن يكون المراد بالقسم ما دلّ على القطع والبتّ من السيّاق ؛ فإنّ قوله تعالى : كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ( 71 ) تذييل وتقرير لقوله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها وهذا بمنزلة القسم في تأكيد الإخبار . بل هذا أبلغ للحصر في الآية بالنّفي والإثبات .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجنائز حديث 1251 . ( 2 ) أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب حديث 150 .