الشنقيطي

266

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أدلّة : الأوّل - هو ما ذكره ابن عبّاس رضي اللّه عنهما من أنّ جميع ما في القرآن من ورود النّار معناه دخولها غير محل النّزاع ، فدلّ ذلك على أنّ محلّ النزّاع كذلك ، وخير ما يفسّر به القرآن القرآن . الدّليل الثاني - هو أنّ في نفس الآية قرينة دالّة على ذلك ، وهي أنّه تعالى لمّا خاطب جميع النّاس بأنّهم سيردون النّار برّهم وفاجرهم بقوله : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ( 71 ) بيّن مصيرهم ومآلهم بعد ذلك الورود المذكور بقوله : ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها أي نترك الظّالمين فيها - دليل على أنّ ورودهم لها دخولهم فيها ، إذ لو لم يدخلوها لم يقل : ونذر الظّالمين فيها ؛ بل يقول : وندخل الظّالمين ، وهذا واضح كما ترى وكذلك قوله : ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا دليل على أنّهم وقعوا فيما من شأنه أنّه هلكة ، ولذا عطف على قوله : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قوله : ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا . الدّليل الثالث - ما روي من ذلك عن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال صاحب الدّرّ المنثور « 1 » في الكلام على هذه الآية الكريمة : أخرج أحمد « 2 » وعبد بن حميد ، والحكيم الترمذي ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه « 3 » ، وابن مردويه ، والبيهقي في البعث ، عن أبي سميّة قال : اختلفنا في الورود فقال بعضنا : لا يدخلها مؤمن . وقال بعضهم : يدخلونها جميعا ثم ينجي اللّه الّذين اتّقوا . فلقيت جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما فذكرت له ذلك فقال وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه : صمتا إن لم أكن سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « لا يبقى برّ ولا فاجر إلا دخلها : فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم ، حتّى إنّ للنّار ضجيجا من بردهم ، ثمّ ينجّي اللّه الّذين اتّقوا ويذر الظّالمين فيها جثيّا » ا ه . وقال ابن حجر في ( الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشّاف ) في هذا الحديث : رواه أحمد وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد قالوا : حدّثنا سليمان بن حرب ، وأخرجه أبو يعلى والنّسائي في الكنى ، والبيهقي في الشعب في باب النّار ، والحكم في النوادر ، كلهم من طريق سليمان قال : حدّثنا أبو صالح غالب بن سليمان ، عن كثير بن زياد عن أبي سميّة قال : اختلفنا في الورود فسألنا جابرا فذكر الحديث أتمّ من اللّفظ الّذي ذكره الزّمخشري . وخالفهم كلّهم الحاكم فرواه من طريق سليمان بهذا الإسناد فقال عن منية الأزدّية عن عبد الرّحمن بن شيبة بدل أبي سميّة عن جابر ا ه . وقال ابن كثير رحمه اللّه في تفسير هذه الآية : قال الإمام أحمد : حدّثنا سليمان بن حرب ، حدّثنا غالب بن سليمان ، عن كثير بن زياد البرساني ، عن أبي سميّة قال : اختلفنا في الورود فقال بعضنا : لا يدخلها مؤمن . وقال بعضهم : يدخلونها جميعا ثم ينجّي اللّه الّذين اتّقوا ، فلقيت جابر بن عبد اللّه فقلت : إنّا اختلفنا في الورود فقال : يدخلونها جميعا . ثمّ ذكر الحديث المتقدّم . ثمّ قال ابن كثير رحمه اللّه : غريب ولم يخرّجوه .

--> ( 1 ) السيوطي 5 / 535 . ( 2 ) المسند 3 / 328 ، 329 . ( 3 ) المستدرك ، كتاب الأهوال 4 / 587 .