الشنقيطي

26

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

آلِهَةً [ الكهف : 15 ] الآية . وهذا المعنى الذي ذكره هنا من أن افتراء الكذب على اللّه يجعل الشركاء له هو أعظم الظلم جاء مبينا في آيات كثيرة ، كقوله : * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ [ الزمر : 32 ] الآية ، وقوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 18 ) [ هود : 18 ] ، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا . قوله تعالى : وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً ( 16 ) [ 16 ] . « إذ » في قوله وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ للتعليل على التحقيق ، كما قاله ابن هشام وعليه فالمعنى : ولأجل اعتزالكم قومكم الكفار وما يعبدونه من دون اللّه ، فاتخذوا الكهف مأوى ومكان اعتصام ، ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيىء لكم من أمركم مرفقا ، وهذا يدل على أن اعتزال المؤمن قومه الكفار ومعبوديهم من أسباب لطف اللّه به ورحمته . وهذا المعنى يدل عليه أيضا قوله تعالى في نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ( 48 ) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا ( 49 ) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ( 50 ) [ مريم : 48 - 50 ] . واعتزالهم إياهم هو مجانبتهم لهم ، وفرارهم منهم يدينهم . وقوله : وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ اسم موصول في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب في قوله : اعْتَزَلْتُمُوهُمْ أي واعتزلتم معبوديهم من دون اللّه . وقيل : « ما » مصدرية ، أي اعتزلتموهم واعتزلتم عبادتهم غير اللّه تعالى . والأول أظهر . وقوله : إِلَّا اللَّهَ قيل : هو استثناء متصل ، بناء على أنهم كانوا يعبدون اللّه والأصنام . وقيل : هو استثناء منقطع ؛ بناء على القول بأنهم كانوا لا يعبدون إلا الأصنام ، ولا يعرفون اللّه ولا يعبدونه . وقوله : مِرْفَقاً أي ما ترتفقون به أي تنتفعون به . وقرأه نافع وابن عامر بفتح الميم وكسر الفاء مع تفخيم الراء . وقرأه باقي السبعة بكسر الميم وفتح الفاء وترقيق الراء ، وهما قراءتان ولغتان فيما يرتفق به ، وفي عضو الإنسان المعروف . وأنكر الكسائي في « المرفق » بمعنى عضو الإنسان - فتح الميم وكسر الفاء ، وقال : هو بكسر الميم وفتح الفاء ، ولا يجوز غير ذلك . وزعم ابن الأنباري أن « من » في قوله : وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ بمعنى البديلة ، أي