الشنقيطي
256
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
النّفي إثباتا ، ومن الإثبات نفيا ؛ فإن كان الحكم على المستثنى ليس نقيض الحكم على المستثنى منه فهو منقطع ولو كان المستثنى من جنس المستثنى منه . فقوله تعالى : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [ الدخان : 56 ] استثناء منقطع على التّحقيق ، مع أنّ المستثنى من جنس المستثنى منه . وكذلك قوله : لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ [ النساء : 29 ] وإنّما كان منقطعا في الآيتين لأنّه لم يحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثنى منه . فنقيض : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا : هو يذوقون فيها الموت . وهذا النّقيض الّذي هو ذوق الموت في الآخرة لم يحكم به على المستثنى بل حكم بالذوق في الدّنيا . ونقيض لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ كلوها بالباطل ولم يحكم به في المستثنى . فتحصل أنّ انقطاع الاستثناء قسمان : أحدهما بالحكم على غير جنس المستثنى منه ؛ كقولك : رأيت أخويك إلّا ثوبا . الثّاني : بالحكم بغير النّقيض ؛ نحو : رأيت أخويك إلّا زيدا لم يسافر . التّنبيه الثّاني اعلم أنّه يبنى على الخلاف في صحّة الاستثناء المنقطع بعض الفروع الفقهيّة ؛ فلو أقرّ رجل لآخر فقال له : علي ألف دينار إلّا ثوبا ؛ فعلى القول بعدم صحّة الاستثناء المنقطع يكون قوله « إلّا ثوبا » لغوا وتلزمه الألف كاملة . وعلى القول بصحّة الاستثناء المنقطع لا يلغى قوله « إلّا ثوبا » وتسقط قيمة الثّوب من الألف . والّذين قالوا تسقط قيمته اختلفوا في توجيهه على قولين : أحدهما - أنّه مجاز ، وأنّه أطلق الثّوب وأراد قيمته . والثّاني : أنّ فيه إضمارا ؛ أي حذف مضاف ، يعني : إلّا قيمة ثوب . فمن قال يقدم المجاز على الإضمار قال « إلّا ثوبا » مجاز ، أطلق الثّوب وأراد القيمة ؛ كإطلاق الدّم على الدّية . ومن قال يقدّم الإضمار على المجاز قال « إلّا ثوبا » أي إلّا قيمة ثوب . واعتمد صاحب مراقي السّعود تقديم المجاز على الإضمار في قوله : وبعد تخصيص مجاز قبلي * الإضمار فالنقل على المعول ومعنى البيت : أنّ المقدّم عندهم التّخصيص ، ثمّ المجاز ، ثمّ الإضمار ، ثمّ النقل ؛ مثال تقديم التّخصيص على المجاز إذا احتمل اللّفظ كلّ واحد منهما - قوله تعالى : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 5 ] يحتمل التّخصيص ، لأنّ بعض المشركين كالذّمّيّين والمعاهدين أخرجهم دليل مخّصص لعموم المشركين . ويحتمل عند القائلين بالمجاز أنّه مجاز مرسل ، أطلق فيه الكلّ وأراد البعض ؛ فيقدّم التّخصيص لأمرين : أحدهما - أنّ اللفظ يبقى حقيقة فيما لم يخرجه المخصّص ، والحقيقة مقدّمة على المجاز الثّاني - أنّ اللّفظ يبقى مستصحبا