الشنقيطي
250
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
اختلف فيه ثقوة دليله ، ولكنه على وفق القياس ، إذ الواجب خمس صلوات لا أكثر . فمن قضى الفائتة كمل العدد المأمور به ، ولكونه على مقتضى ظاهر الخطاب ؛ لقول الشارع « فليصلها » ولم يذكر زيادة ، وقال أيضا : « لا كفارة لها ، إلا ذلك » فاستفيد من هذا الحصر أن لا يجب غير إعادتها . وذهب مالك إلى أن من ذكر بعد أن صلى صلاة أنه لم يصل التي قبلها فإنه يصل التي ذكر ، ثم يصلي التي كان صلاها مراعاة للترتيب - انتهى منه . فإن قيل : جاء في صحيح مسلم في بعض طرق حديث أبي قتادة في قصة نوم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه عن صلاة الصبح حتى ضربتهم الشمس ما نصه : ثم قال : يعني ( النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ) : « أما إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى ؛ فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها . فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها » « 1 » ا ه . فقوله في هذا الحديث : فإذا كان الغد الخ يدل على أنه يقضي الفائتة مرتين : الأولى عند ذكرها ، والثانية : عند دخول وقتها من الغد ؟ فالجواب ما ذكره النووي في شرحه للحديث المذكور قال : وأما قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها » فمعناه أنه إذا فاتته صلاة فقضاها لا يتغير وقتها ويتحول في المستقبل ، بل يبقى كما كان ، فإذا كان الغد صلى صلاة الغد في وقتها المعتاد ولا يتحول . وليس معناه أنه يقضي الفائتة مرتين : مرة في الحال ، ومرة في الغد ، وإنما معناه ما قدمناه . فهذا هو الصواب في معنى هذا الحديث . وقد اضطربت أقوال العلماء فيه . واختار المحققون ما ذكرته واللّه أعلم انتهى منه . وهذا الذي فسر به هذه الرواية هو الذي يظهر لنا صوابه والعلم عند اللّه تعالى . ولكن جاء في سنن أبي داود في بعض طرق حديث أبي قتادة في قصة النوم عن الصلاة المذكورة ما نصه : « فمن أدرك منكم صلاة الغد من غد صالحا فليقض معها مثلها » ا ه . وهذا اللفظ صريح في أنه يقضي الفائتة مرتين ، ولا يحمل المعنى الذي فسر به النووي وغيره لفظ رواية مسلم . وللعلماء عن هذه الرواية أجوبة ، قال ابن حجر في ( فتح الباري ) بعد أن أشار إلى رواية أبي داود المذكور ما نصه : قال الخطابي : لا أعلم أحدا قال بظاهره وجوبا ، قال : ويشبه أن يكون الأمر فيه للاستحباب ليحوز فضيلة الوقت في القضاء انتهى . ولم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك أيضا ؛ بل عدّو الحديث غلطا من رواية . حكى ذلك الترمذي وغيره عن البخاري . ويؤيده ما رواه النسائي من حديث عمران بن حصين أنهم قالوا : يا رسول اللّه ، ألا نقضيها لوقتها من الغد ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا ينهاكم اللّه عن الربا ويأخذه منكم » ا ه كلام صاحب الفتح . وحديث عمران المذكور قد قدمناه وذكرنا من أخرجه . والعلم عند اللّه تعالى . المسألة السادسة [ فيمن ترك الصلاة عمدا تكاسلا حتى خرج وقتها وهو معترف بوجوبها ] اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن ترك الصلاة عمدا تكاسلا حتى خرج وقتها وهو معترف
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة حديث 311 .