الشنقيطي
244
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
إن مات لقي اللّه كعابد وثن » « 1 » انتهى منه بلفظه . وأمثاله في السنة كثيرة جدا . ومن ذلك القبيل تسمية الرياء شركا ؛ ومنه الحديث الصحيح في البخاري وغيره أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « رأيت النار فلم أر منظرا كاليوم أفظع ، ورأيت أكثر أهلها النساء » قالوا : بم يا رسول اللّه ؟ قال : « بكفرهن » قيل : يكفرن باللّه ؟ قال : « يكفرن العشير ، ويكفرن الإحسان . لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط » « 2 » هذا لفظ البخاري في بعض المواضع التي أخرج فيها الحديث المذكور . وقد أطلق فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اسم الكفر عليهن ؛ فلما استفسروه عن ذلك تبين أن مراده غير الكفر المخرج عن ملة الإسلام . هذا هو حاصل كلام العلماء وأدلتهم في مسألة ترك الصلاة عمدا مع الاعتراف بوجوبها . وأظهر الأقوال أدلة عندي : قول من قال إنه كافر . وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور : إنه كفر غير مخرج عن الملة لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن . وإذا حمل الكفر والشرك المذكوران في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج عن الملة حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إذا أمكن ؛ لأن إعمال الدليلين أولى إن إلغاء أحدهما كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث . وقال النووي ( في شرح المهذب ) بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر ما نصه : ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه ولو كان كافرا لم يغفر له ولم يرث ولم يورث . وأما الجواب عما احتج به من كفره من حديث جابر وبريدة ، ورواية ابن شقيق - فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو القتل . وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها - انتهى محل الغرض منه . المسألة الثالثة أجمع العلماء على أن من نسي الصلاة أو نام عنها حتى خرج وقتها يجب عليه قضاؤها . وقد دلت على ذلك أدلة صحيحة : ( منها ) ما رواه الشيخان في صحيحهما عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك » « 3 » .
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس أحمد في المسند 1 / 272 . ( 2 ) أخرجه عن ابن عباس : البخاري في الكسوف حديث 1052 ، والنكاح حديث 5197 ، ومسلم في الكسوف حديث 17 ، والنسائي في الكسوف ، باب قدر القراءة في صلاة الكسوف ، وأحمد في المسند 1 / 298 ، ومالك في صلاة الكسوف حديث 2 ، وأخرجه عن أبي سعيد الخدري البخاري في الحيض حديث 304 ، والترمذي في الإيمان حديث 2613 . ( 3 ) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة حديث 597 ، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة حديث 314 .