الشنقيطي

23

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فالجواب - أنا لم نر من تعرض لهذا . والذي يظهر لنا واللّه تعالى أعلم - أن ما ذكر من إعلام الناس بالحزب الذي هو أحصى أمدا لما لبثوا ، ومساءلة بعضهم بعضا عن ذلك ، يلزمه أن يظهر للناس حقيقة أمر هؤلاء الفتية ، وأن اللّه ضرب على آذانهم في الكهف ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا ، ثم بعثهم أحياء طرية أبدانهم ؛ لم يتغير لهم حال . وهذا من غريب صنعه جل وعلا الدال على كمال قدرته ، وعلى البعث بعد الموت . ولاعتبار هذا اللازم جعل ما ذكرنا علة غائية واللّه تعالى أعلم . قوله تعالى : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً ( 13 ) [ 13 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم - أنه يقص عليه نبأ أصحاب الكهف بالحق . ثم أخبره مؤكدا له أنهم فتية آمنوا بربهم ، وأن اللّه جل وعلا زادهم هدى . ويفهم من هذه الآية الكريمة - أن من آمن بربه وأطاعه زاده ربه هدى ؛ لأن الطاعة سبب للمزيد من الهدى والإيمان . وهذا المفهوم من هذه الآية الكريمة جاء مبينا في مواضع أخر ؛ كقوله تعالى : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ ( 17 ) [ محمد : 17 ] ، وقوله : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] الآية ، وقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً [ الأنفال : 29 ] الآية ، وقوله : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 124 ) [ التوبة : 124 ] ، وقوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ [ الفتح : 4 ] الآية ، وقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ [ الحديد : 28 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . وهذه الآيات المذكورة نصوص صريحة في أن الإيمان يزيد - مفهوم منها أنه ينقص أيضا ، كما استدل بها البخاري رحمه اللّه على ذلك . وهي تدل عليه دلالة صريحة لا شك فيها ، فلا وجه معها للاختلاف في زيادة الإيمان ونقصه كما ترى . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا [ 14 ] . أي ثبتنا قلوبهم وقويناها على الصبر ، حتى لا يجزعوا ولا يخافوا من أن يصدعوا بالحق ، ويصبروا على فراق الأهل والنعيم ، والفرار بالدين في غار في جبل لا أنيس به ، ولا ماء ولا طعام . ويفهم من هذه الآية الكريمة : أن من كان في طاعة ربه جل وعلا أنه تعالى يقوي قلبه ، ويثبته على تحمل الشدائد ، والصبر الجميل .