الشنقيطي

222

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 29 ) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ [ القصص : 29 - 30 ] الآية . فالنداء في هذه الآية هو المذكورة في « مريم » ، وطه . والنمل » وقد بيّن هنا أنه نودي من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة . فدلت الآيات على أن الشجرة التي رأى فيها النار عن يمين الجبل الذي هو الطور ، وفي يمين الوادي المقدس الذي هو طوى على القول بأن طوى اسم له . وقد قدمنا قول ابن جرير : أن المراد يمين موسى ؛ لأن الجبل ومثله الوادي لا يمين له ولا شمال . وقال ابن كثير في قوله نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ أي من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمينه من ناحية الغرب ؛ كما قال تعالى : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ [ القصص : 44 ] فهذا مما يرشد إلى أن موسى قصد النار إلى جهة القبلة والجبل الغربي عن يمينه ا ه منه - وهو معنى قوله : وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ [ مريم : 52 ] الآية ، وقوله : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا [ القصص : 46 ] الآية . والنداء المذكور في جميع الآيات المذكورة - نداء اللّه له ؛ فهو كلام اللّه أسمعه نبيه موسى . ولا يعقل أنه كلام مخلوق ، ولا كلام خلقه اللّه في مخلوق كما يزعم ذلك بعض الجهلة الملاحدة ؛ إذ لا يمكن أن يقول غير اللّه : إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 9 ) [ النمل : 9 ] ، ولا أن يقول : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [ طه : 14 ] ولو فرض أن الكلام المذكور قاله مخلوق افتراء على اللّه ، كقول فرعون أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ( 24 ) [ النازعات : 24 ] على سبيل فرض المحال - فلا يمكن أن يذكره اللّه في معرض أنه حق وصواب . فقوله : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ، وقوله : إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 9 ) [ النمل : 9 ] - صريح في أن اللّه هو المتكلم بذلك صراحة لا تحتمل غير ذلك ؛ كما هو معلوم عند من له أدنى معرفة بدين الإسلام . وقوله تعالى : مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ [ القصص : 30 ] قال الزمخشري في الكشاف : « من » الأولى والثانية لابتداء الغاية ؛ أي أتاه النداء من شاطىء الوادي من قبل الشجرة و مِنَ الشَّجَرَةِ بدل من قوله مِنْ شاطِئِ الْوادِ بدل اشتمال ؛ لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ ؛ كقوله : لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ [ الزخرف : 33 ] . وقال القرطبي رحمه اللّه في تفسير قوله تعالى : نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ الآية : قال المهدوي : وكلم اللّه تعالى موسى عليه السلام من فوق عرشه ، وأسمعه كلامه من الشجرة على ما شاء - انتهى منه . وشاطىء الوادي جانبه . وقال بعض أهل العلم : معنى « الأيمن » في قوله : مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ . وقوله : وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ [ مريم :