الشنقيطي
216
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وذكر علماء التفسير في قصته أنهم لما رموه إلى النار لقيه جبريل فسأله : هل لك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا ! وأما إلى اللّه فنعم . فقال له : لم لا تسأله ؟ فقال : علمه بحالي كاف عن سؤالي ؟ ؟ ومن صدقه في معاملته ربه : صبره على مفارقة الأهل والوطن فرارا لدينه ؛ كما قال تعالى : * فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي [ العنكبوت : 26 ] وقد هاجر من سواد العراق إلى دمشق : وقد بين جل وعلا في مواضع أخر أنه لم يكتف بنهيهم عن عبادة الأوثان وبيان أنها لا تنفع ولا تضر ، بل زاد على ذلك أنه كسرها وجعلها جذاذا وترك الكبير من الأصنام ، ولما سألوه هل هو الذي كسرها قال لهم : إن الذي فعل ذلك كبير الأصنام ، وأمرهم بسؤال الأصنام إن كانت تنطق ؛ كما قال تعالى عنه : وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ ( 57 ) فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ( 58 ) قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 59 ) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ ( 60 ) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ( 61 ) قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ ( 62 ) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ( 63 ) فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ( 64 ) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ( 65 ) قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ ( 66 ) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 67 ) [ الأنبياء : 57 - 67 ] ، وقال تعالى : فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَ لا تَأْكُلُونَ ( 91 ) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ ( 29 ) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ ( 93 ) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ( 94 ) قالَ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ( 95 ) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ( 96 ) [ الصافات : 91 - 96 ] . فقوله فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ ( 93 ) أي مال إلى الأصنام يضربها ضربا بيمنه حتى جعلها جذاذا ، أي قطاعا متكسرة من قولهم : جذه إذا قطعه وكسره . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً أي كثير الصدق يعرف منه أن الكذبات الثلاث المذكورة في الحديث عن إبراهيم كلها في اللّه تعالى ، وأنها في الحقيقة من الصدق لا من الكذب بمعناه الحقيقي ، وسيأتي إن شاء اللّه زيادة إيضاح لهذا في سورة « الأنبياء » : وقوله تعالى عن إبراهيم يا أَبَتِ التاء فيه عوض عن ياء المتكلم ، فالأصل يا أبي كما أشار له في الخلاصة بقوله : وفي النداء أبت أمت عرض * واكسر أو افتح ومن اليا التا عوض وقوله تعالى في هذه الآية لِمَ تَعْبُدُ أصله « ما » الاستفهامية ، فدخل عليها حرف الجر الذي هو « اللام » فحذف ألفها على حد قوله في الخلاصة : وما في الاستفهام إن جرت حذف * ألفها وأولها الها إن تقف