الشنقيطي
201
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
طلق امرأته فقيل له : كم طلقة ؟ فأشار بأصبعه - انتهى منه « 1 » . وقال البخاري في أول ( باب اللعان ) ما نصه : فإذا قذف الأخرس امرأته بكتابة أو إشارة أو إيماء معروف فهو كالمتكلم ، لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد أجاز الإشارة في الفرائض . وهو قول بعض أهل الحجاز وأهل العلم ، وقال تعالى : فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ( 29 ) [ مريم : 29 ] . وقال الضحاك : إِلَّا رَمْزاً [ آل عمران : 41 ] إشارة . وقال بعض الناس : لا حد ولا لعان . ثم زعم أنه إنّ الطلاق بكتاب أو إشارة أو إيماء جائز وليس بين الطلاق والقذف فرق ، فإن قال : القذف لا يكون إلا بكلام قيل له : كذلك الطلاق لا يجوز إلا بكلام وإلا بطل الطلاق والقذف وكذلك العتق . وكذلك الأصم يلاعن . وقال الشعبي وقتادة : إذا قال أنت طالق - فأشار بأصابعه - تبين منه بإشارته . وقال إبراهيم : الأخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه . وقال حماد : الأخرس والأصم إن قال برأسه جاز : انتهى محل الغرض من كلام البخاري رحمه اللّه « 2 » . ومذاهب الأئمة الأربعة متقاربة في هذه المسألة ، وبينهم اختلاف في بعض فروعها . فمذهب مالك رحمه اللّه : أنّ الإشارة المفهمة تقوم مقام النطق . قال خليل بن إسحاق في مختصره ، الذي قال في ترجمته مبينا لما به الفتوى - يعني في مذهب مالك - الكلام على الصيغة التي يحصل بها الطلاق . ولزم بالإشارة المفهمة . يعني أنّ الطلاق يلزم بالإشارة المفهمة مطلقا من الأخرس والناطق وقال شارحه المواق رحمه اللّه من المدونة . ما علم من الأخرس بإشارة أو بكتاب من طلاق أو خلع أو عتق أو نكاح . أو بيع أو شراء أو قذف لزمه حكم المتكلم . وروى الباجي . إشارة السليم بالطلاق برأسه أو بيده كلفظه ، لقوله تعالى : أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً [ آل عمران : 41 ] ا ه منه . ورواية الباجي هذه عليها أهل المذهب . ومذهب أبي حنيفة رحمه اللّه : أنّ إشارة الأخرس تقوم مقام كلام الناطق في تصرفاته ، كإعتاقه وطلاقه ، وبيعه وشرائه ، ونحو ذلك . أما السليم فلا تقبل عنده إشارته لقدرته على النطق . وإشارة الأخرس بقذف زوجته لا يلزم عنده فيها حد ولا لعان ؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات . وعدم التصريح شبهة عنده . لأن الإشارة قد يفهم ما لا يقصد المشير . ولأن أيمان اللعان لها صيغ لا بد منهما ولا تحصل بالإشارة وكذلك عنده إذا كانت الزوجة المقذوفة خرساء فلا حد ولا لعان عنده ؛ لاحتمال أنها لو نطقت لصدقته ، ولأنها لا يمكنها الإتيان بألفاظ الأيمان المنصوصة في آية اللعان . وكذلك عنده القذف لا يصح من الأخرس . لأن الحدود تدرأ بالشبهات . وقال بعض العلماء من الحنيفة : إن القياس منع اعتبار إشارة الأخرس ، لأنها لا تفهم
--> ( 1 ) فتح الباري ، كتاب الطلاق 9 / 438 . ( 2 ) كتاب الطلاق .