الشنقيطي
20
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فلا ينافي أنه كان عالما به قبل ذلك دون خلقه . واختلف العلماء في قوله أَحْصى فذهب بعضهم إلى أنه فعل ماض و « أمدا » مفعوله « وما » في قوله « لما لبثوا » مصدرية ؛ وتقرير المعنى على هذا : لنعلم أن الحزبين ضبط أمدا للبثهم في الكهف . وممن اختار أن أَحْصى فعل ماض : الفارسي والزمخشري . وابن عطية وغيرهم . وذهب بعضهم إلى أن أَحْصى صيغة تفضيل ، « وأمدا » تمييز . وممن اختاره الزجاج والتبريزي وغيرهما . وجوز الحوفي وأبو البقاء الوجهين . والذين قالوا : إن أَحْصى فعل ماض قالوا : لا يصح فيه أن يكون صيغة تفضيل ؛ لأنها لا يصح بناؤها هي ولا صيغة فعل التعجب قياسا إلا من الثلاثي ، « وأحصى » رباعي فلا تصاغ منه صيغة التفضيل ولا التعجب قياسا . قالوا : وقولهم : ما أعطاه وما أولاه للمعروف ، وأعدى من الجرب ، وأفلس من ابن المذلق - شاذ لا يقاس عليه ، فلا يجوز حمل القرآن عليه . واحتج الزمخشري في الكشاف أيضا لأن أَحْصى ليست صيغة تفضيل - بأن أَمَداً لا يخلو : إما أن ينتصب بأفعل - فأفعل لا يعمل . وإما أن ينتصب ب لَبِثُوا فلا يسد عليه المعنى أن لا يكون سديدا على ذلك القول ، وقال : فإن زعمت نصبه بإضمار فعل يدل عليه أَحْصى كما أضمر في قوله : * وأضرب منا بالسيوف القوانسا * أي نضرب القوانس فقد أبعدت المتناول وهو قريب حيث أبيت أن يكون أَحْصى فعلا ، ثم رجعت مضطرا إلى تقديره وإضماره - انتهى كلام الزمخشري . وأجيب من جهة المخالفين عن هذا كله قالوا : لا نسلم أن صيغة التفضيل لا تصاغ من غير الثلاثي ، ولا نسلم أيضا لأنها لا تعمل . وحاصل تحرير المقام في ذلك - أن في كون صيغة التفضيل تصاغ من « أفعل » كما هنا ، أو لا تصاغ منه ؛ ثلاثة مذاهب لعلماء النحو : الأول - جواز بنائها من أفعل مطلقا ، وهو ظاهر كلام سيبويه ، وهو مذهب أبي إسحاق كما نقله عنه أبو حيان في البحر . والثاني - لا يبنى منه مطلقا ، وما سمع منه فهو شاذ يحفظ ولا يقاس عليه . وهو الذي درج عليه ابن مالك في الخلاصة بقوله : وبالندور احكم لغير ما ذكر * ولا تقس على الذي منه أثر