الشنقيطي
185
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قد وقعت فيه ، ولكنّ اللّه برّأها ، وذلك كقوله عنهم : قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا ( 27 ) [ مريم : 27 ] يعنون الفاحشة ، وقوله عنهم ، يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ( 28 ) [ مريم : 28 ] يعنون فكيف فجرت أنت وجئت بهذا الولد ؟ وكقوله تعالى وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً ( 156 ) [ النساء : 156 ] . وقوله : مَكاناً قَصِيًّا القصي ، البعيد ، ومنه قول الراجز : لتقعدن مقعد القصي * مني ذي القاذورة المقلي أو تحلفي بربك العلي * أني أبو ذيالك الصبي وهذا المكان القصي قد وصفه اللّه تعالى في غير هذا الموضع بقوله : وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ ( 50 ) [ المؤمنون : 50 ] ؛ وقوله في هذه الآية الكريمة : فَانْتَبَذَتْ بِهِ أي انتبذت وهو في بطنها . والإشارة في قوله هذا إلى الحمل والمخاض الذي أصابها للوضع . وقوله في هذه الآية الكريمة عنها : وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا النّسي والنّسي - بالكسر وبالفتح - : هو ما من حقه أن يطرح وينسى لحقارته ، كخرق الحيض ، وكالوتد والعصا ، ونحو ذلك . ومن كلام العرب إذا ارتحلوا عن الدار قولهم : انظروا أنساءكم جمع نسي ؟ أي الأشياء الحقيرة التي من شأنها أن تترك وتنسى كالعصا والوتد ؛ ونحو ذلك . فقولها « وكنت نسيا » أي شيئا تافها حقيرا من حقه أن يترك وينسى عادة . وقولها « منسيّا » تعني أنّ ذلك الشيء التافه الذي من عادته أن يترك وينسى قد نسي وطرح بالفعل فوجد فيه النسيان الذي هو حقه . وأقوال المفسرين في الآية راجعة إلى ما ذكرنا ، ومن إطلاق النسي على ما ذكرنا قول الكميت : اتجعلنا جسرا لكلب قضاعة * ولست بنسي في معد ولا دخل فقوله « بنسي » أي شيء تافه منسي ، وقول الشنفرى : كان لها في الأرض نسيا تقصه * على أمها وإن تحدثك تبلت فقوله « نسيا » أي شيء تركته ونسيته . وقوله « تبلت » بفتح التاء وسكون الباء الموحدة وفتح اللام بعدها تاء التأنيث - أي تقطع كلامها من الحياء . والبلت في اللغة : القطع . وقرأ نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي « يا ليتني مت » بكسر الميم . وقرأ الباقون « مت » بضم الميم . وقرأ حفص عن عاصم وحمزة ، « وكنت نسيا » بفتح النون . والباقون بكسرها ، وهما لغتان فصيحتان ، وقراءتان صحيحتان . تنبيه قراءة « مت » بكسر الميم كثيرا ما يخفى على طلبة العلم وجهها ؛ لأن لغة مات يموت