الشنقيطي

171

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

إذا كان ذلك لغرض صحيح محتاج إليه ، كارتفاع الإمام ليعلم الجاهلين الصلاة كما فعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في صلاته على المنبر ، وبيّن أنّه فعل ذلك لقصد التعليم ، وكارتفاع المأموم ليبلغ غير من المأمومين تكبيرات الإمام فإن كان ارتفاع أحدهما لنحو هذا الغرض استحب له الارتفاع لتحصيل الغرض المذكور . قال النووي في ( شرح المهذب ) : هذا مذهبنا ، وهو رواية عن أبي حنيفة ، وعنه رواية . أنه يكره الارتفاع مطلقا ، وبه قال مالك والأوزاعي . وحكى الشيخ أبو حامد عن الأوزاعي : أنه قال تبطل به الصلاة . وأما مذهب مالك في المسألة ففيه تفصيل بين علوّ الإمام على المأموم وعكسه . فعلوّ المأموم جائز عنده . وقد رجع إلى كراهته . وبقي بعض أصحابه على قوله بجوازه . وعلوّ الإمام لا يعجبه . وفي المدونة قال مالك : لا بأس في غير الجمعة أن يصلي الرجل بصلاة الإمام على ظهر المسجد والإمام في داخل المسجد . ثم كرهه . وأخذ ابن القاسم بقوله الأول . انتهى بواسطة نقل المواق في الكلام على قول خليل بن إسحاق في مختصره عاطفا على ما يجوز . وعلو مأموم ولو بسطح . وفي المدونة أيضا قال مالك : إذا صلى الإمام بقوم على ظهر المسجد والناس خلفه أسفل من ذلك فلا يعجبني . انتهى بواسطة نقل المواق أيضا . وقوله « يعجبني » ظاهر في الكراهة . وحمله بعضهم على المنع . وفي وجوب إعادة الصلاة قولان . ومحل الخلاف ما لم يقصد المرتفع بارتفاعه التّكبّر على الناس ، فإن قصد ذلك بطلت صلاته عندهم إماما كان أو مأموما . وهذه المسألة ذكرها خليل بن إسحاق في مختصره في قوله : وعلوّ مأموم ولو بسطح لا عكسه ، وبطلب بقصد إمام ومأموم به الكبر إلا بكثير ا ه . وقوله « إلا بكشبر » يعني إلا أن يكون الارتفاع بكشبر ، ونحو المنبر عظم الذراع عندهم . ومحل جواز الارتفاع اليسير المذكور ما لم يقصد به الكبر . فقوله « إلا بكشبر » مستثنى من قوله « لا عكسه » لا من مسألة قصده الكبر فالصلاة فيها باطلة عندهم مطلقا : قال المواق في شرحه لكلام خليل المذكور من المدونة : كره مالك وغيره أن يصلي الإمام على شيء أرفع مما يصلي عليه من خلفه ، مثل الدكان يكون في المحراب ونحوه . قال ابن القاسم : فإن فعل أعادوا أبدا ، لأنهم يعيشون إلا أن يكون ذلك دكانا يسير الارتفاع مثل ما كان عندنا بمصر فتجزئهم الصلاة . قال أبو محمد : مثل الشبر وعظم الذراع - إلى أن قال : وانظر إذا صلى المقتدي كذلك أعني على موضع مرتفع قصدا إلى التكبر عن مساواة الإمام . قال ابن بشير : صلاته أيضا باطلة . ا ه محل الغرض منه . وقول ابن القاسم « لأنهم يعبثون » يعني برفع ذلك البنيان الذي يصلي عليه الإمام ، كما قال تعالى عن نبيه هود مخاطبا لقومه عاد : أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ( 128 ) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ( 129 ) [ الشعراء : 128 - 129 ] وإذا ارتفعت مع الإمام طائفة من المصلين سائر الناس ، أعني ليست من أشراف الناس وأعيانهم ، ففي نفي الكراهة بذلك خلاف عندهم