الشنقيطي

166

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ( 40 ) [ آل‌عمران : 40 ] . وقوله في هذه الآية الكريمة « كذلك » للعلماء في إعرابه أوجه : الأول - أنه خبر مبتدأ محذوف ، وتقديره ، الأمر كذلك ، ولا محالة أن تلد الغلام المذكور . وقيل ، الأمر كذلك أنت كبير في السن ، وامرأتك عاقر . وعلى هذا فقوله قالَ رَبُّكَ ابتداء كلام : الوجه الثاني - أن « كذلك » في محل نصب ب « قال » وعليه فالإشارة بقوله « ذلك » إلى مبهم يفسره قوله : هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ونظيره على هذا القول قوله تعالى : وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ( 66 ) [ الحجر : 66 ] . وغير هذين من أوجه إعرابه تركناه لعدم وضوحه عندنا . وقوله هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ أي يسير سهل . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ( 9 ) أي ومن خلقك ولم تك شيئا فهو قادر على أن يرزقك الولد المذكور كما لا يخفى . وهذا الذي قاله هنا لزكريا : من أنه خلقه ولم يك شيئا - أشار إليه بالنسبة إلى الإنسان في مواضع أخر ؛ كقوله : أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ( 67 ) [ مريم : 67 ] الآية ، وقوله تعالى : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ( 1 ) [ الإنسان : 1 ] . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ( 9 ) دليل على أن المعدوم ليس بشيء ؛ ونظيره قوله تعالى : حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [ النور : 39 ] ، وهذا هو الصواب . خلافا للمعتزلة القائلين : إن المعدوم الممكن وجوده شيء ، مستدلين لذلك بقوله تعالى : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 82 ) [ يس : 82 ] قالوا : قد سماه اللّه شيئا قبل أن يقول له كن فيكون ، وهو يدل على أنه شيء قيل وجوده . ولأجل هذا قال الزمخشري في تفسير هذه الآية : لأن المعدوم ليس بشيء . أوليس شيئا يعتد به ؛ كقولهم : عجبت من لا شيء . وقول الشاعر : وضاقت الأرض حتى كان هاربهم * إذا رأى غير شيء ظنه رجلا لأن سراده بقوله : غير شيء ، أي إذا رأى شيئا تافها لا يعتد به كأنه لا شيء لحقارته ظنه رجلا ، لأن غير شيء بالكلية لا يصح وقوع الرؤية عليه . والتحقيق هو ما دلت عليه هذه الآية وأمثالها في القرآن : من أن المعدوم ليس بشيء ؟ والجواب عن استدلالهم بالآية : أن ذلك المعدوم لما تعلقت الإرادة بإيجاده ، صار تحقق وقوعه كوقوعه بالفعل ، كقوله أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [ النحل : 1 ] ، وقوله : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ [ الكهف : 99 ] ، وقوله : وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ [ الزمر : 69 ] الآية ، وقوله وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الزمر : 71 ] الآية ، وقوله وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ [ الزمر : 73 ] الآية ، وأمثال ذلك . كل هذه الأفعال الماضية الدالة على الوقوع بالفعل فيما مضى - أطلقت