الشنقيطي
157
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
في سورة « آل عمران » في قوله : كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 37 ) هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [ آل عمران : 37 - 38 ] الآية . فقوله « هنالك » أي في ذلك المكان الذي وجد فيه ذلك الرزق عند مريم . وقال بعضهم : « هنالك » أي في ذلك الوقت ، بناء على أن هنا ربما أشير بها إلى الزمان . وقوله في دعائه هذا : رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي أي ضعف . والوهن : الضعف . وإنما ذكر ضعف العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه ، وهو أصل بنائه فإذا وهن دل على ضعف جميع البدن ، لأنه أشد ما فيه وأصلبه ، فوهنه يستلزم وهن غيره من البدن . وقوله : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً الألف واللام في « الرّأس » قاما مقام المضاف إليه . إذ المراد : واشتعل رأسي شيبا . والمراد باشتعال الرأس شيبا : انتشار بياض الشيب فيه . قال الزمخشري في كشافه : شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته وانتشاره في الشعر وفشوه فيه ، وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار ، ثم أخرجه مخرج الاستعارة ، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس ، وأخرج الشيب مميزا ، ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم الخاطب أنه رأس زكريا . فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة - انتهى منه . والظاهر عندنا كما بينا مرارا : أن مثل هذا من التعبير عن انتشار بياض الشيب في الرأس ، باشتعال الرأس شيبا أسلوب من أساليب اللغة العربية الفصحى جاء القرآن به ، ومنه قول الشاعر : ضيعت حزمي في إبعادي الأملا * وما أرعويت وشيبا رأسي اشتعلا ومن هذا القبيل قول ابن دريد في مقصورته . واشتعل المبيض في مسوده * مثل اشتعال النار في جزل الغضا وقوله « شيبا » تمييز محول عن الفاعل في أظهر الأعاريب . خلافا لمن زعم أنه ما ناب عن المطلق من قوله « واشتعل » لأنه اشتعل بمعنى شاب ، فيكون « شيبا » مصدرا منه في المعنى - ومن زعم أيضا أنه مصدر منكر في موضع الحال . وهذا الذي ذكره اللّه هنا عن زكريا في دعائه من إظهار الضعف والكبر جاء في مواضع أخر ؛ كقوله هنا : وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ( 8 ) [ مريم : 8 ] ، وقوله في « آل عمران » : وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ [ آل عمران : 40 ] الآية . وهذا الذي ذكره هنا من إظهار الضعف يدل على أنه ينبغي للداعي اظهار الضعف والخشية والخشوع في دعائه . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ( 4 ) أي لم أكن بدعائي إياك شقيا ، أي لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك ، يعني أنك عودتني الإجابة فيما