الشنقيطي

152

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

لا أقول لكم إني ملك ولا غير بشر ، بل أنا بشر مثلكم أي بشر من جنس البشر ، إلا أن اللّه تعالى فضلني وخصني بما أوحى إليّ من توحيده وشرعه . وقوله هنا يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ أي فوحدوه ولا تشركوا به غيره . وهذا الذي بينه تعالى في هذه الآية ؛ أوضحه في مواضع أخر . كقوله في أول « فصلت » : قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ( 6 ) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 7 ) [ فصلت : 6 - 7 ] ، وقوله تعالى : قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا ( 93 ) [ الإسراء : 93 ] وقوله : قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [ الأنعام : 50 ] الآية . وهذا الذي أمر اللّه به نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية من أنه يقول للناس أنه بشر ، ولكن اللّه فضله على غيره بما أوحى إليه من وحيه جاء مثله عن الرسل غيره صلوات اللّه وسلامه عليهم في قوله تعالى : قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [ إبراهيم : 11 ] الآية . فكون الرسل مثل البشر من حيث أن أصل الجميع وعنصرهم واحد ، وأنهم تجري على جميعهم الأعراض البشرية لا ينافي تفضيلهم على سائر البشر بما خصهم اللّه به من وحيه واصطفائه وتفضيله كما هو ضروري . وقال بعض أهل العلم : معنى هذه الآية قل يا محمد للمشركين : إنما أنا بشر مثلكم ، فمن زعم منكم أني كاذب فليأت بمثل ما جئت به ، فإنني لا أعلم الغيب فيما أخبرتكم به عما سألتم عنه من أخبار الماضين كقصة أصحاب الكهف . وخبر ذي القرنين . وهذا له اتجاه واللّه تعالى أعلم . قوله تعالى : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ( 110 ) [ 110 ] آية . قوله في هذه الآية : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ يشمل كونه يأمل ثوابه ، ورؤية وجهه الكريم يوم القيامة ، وكونه يخشى عقابه ؛ أي فمن كان راجيا من ربه يوم يلقاه الثواب الجزيل والسلامة من الشر - فليعمل عملا صالحا . وقد قدمنا إيضاح العمل الصالح وغير الصالح في أول هذه السورة الكريمة وغيرها ، فأغنى عن إعادته هنا . وقوله : وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ( 110 ) قال جماعة من أهل العلم ؛ أي لا يرائى الناس في عمله ، لأن العمل بعبادة اللّه لأجل رياء الناس من نوع الشرك ، كما هو معروف عند العلماء أن الرياء من أنواع الشرك . وقد جاءت في ذلك أحاديث مرفوعة . وقد ساق طرفها ابن كثير في تفسير هذه الآية . والتحقيق أن قوله : وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ( 110 ) أعم من الرياء وغيره ، أي لا يعبد ربه رياء وسمعة ، ولا يصرف شيئا من حقوق خالقه لأحد من خلقه ، لأن اللّه يقول : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [ النساء : 48 ] الآية في الموضعين ،