الشنقيطي

150

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

يؤتمنون ، وينذرون ولا يوفون ، ويظهر فيهم السمن » « 1 » وهذا ذم . وسبب ذلك : أن السمن المكتسب إنما هو من كثرة الأكل والشره والدعة والراحة والأمن ، والاسترسال مع النفس على شهواتها ؛ فهو عبد نفسه لا عبد ربه . ومن كان هذا حاله وقع لا محالة في الحرام ، وكل لحم تولد من سحت فالنار أولى به . وقد ذم اللّه تعالى الكفار بكثرة الأكل فقال : وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ ( 12 ) [ محمد : 12 ] فإذا كان المؤمن يتشبه بهم ؛ ويتنعم تنعمهم في كل أحواله وأزمانه ، فأين حقيقة الإيمان والقيام بوظائف الإسلام . ومن كثر أكله وشربه كثر نهمه وحرصه ، وزاد بالليل كسله ونومه ، فكان نهاره هائما ، وليله نائما ا ه . محل الغرض من كلام القرطبي ؛ وما تضمنه كلامه من الجزم بأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن اللّه يبغض الحبر السمين » « 2 » فيه نظر ، لأنه لم يصح مرفوعا ، وقد حسنه البيهقي من كلام كعب . وما ذكر من ذم كثرة الأكل والشرب والسمن المكتسب ظاهر وأدلته كثيرة « وحسب المؤمن لقيمات يقمن صلبه » « 3 » . قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ( 107 ) [ 107 ] آية . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أن الأعمال الصالحة والإيمان سبب في نيل جنات الفردوس . والآيات الموضحة لكون العمل الصالح سببا في دخول الجنة كثيرة جدا ؛ كقوله تعالى : وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ( 2 ) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً ( 3 ) [ الكهف : 2 - 3 ] ، وقوله : أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 43 ) [ الأعراف : 43 ] أي بسببه ، وقوله تعالى : وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 72 ) [ الزخرف : 72 ] . وقوله تعالى : إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ( 60 ) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ [ مريم : 61 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . تنبيه فإن قيل هذه الآيات فيها الدلالة على أن طاعة اللّه بالإيمان والعمل الصالح سبب في

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الشهادات حديث 2651 ، وفضائل أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حديث 3649 ، والرقاق حديث 6428 ، والأيمان والنذور حديث 6695 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 214 ، وأبو داود في السنة حديث 4657 ، والترمذي في الفتن حديث 2222 ، والنسائي في الأيمان والنذور باب الوفاء بالنذر . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) أخرجه عن المقدام بن معدي كرب : الترمذي في الزهد حديث 2380 ، وابن ماجة في الأطعمة حديث 3349 ، وأحمد في المسند 4 / 132 .