الشنقيطي
15
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يهلك ما عليها ويجعله صعيدا حرزا - فيه أكبر واعظ للناس ، وأعظم زاجر عن اتباع الهوى ، وإيثار الفاني على الباقي ، ولذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الدنيا حلوة خضرة ، وإن اللّه مستخلفكم فيها فانظروا ماذا تعملون . فاتقوا الدنيا ، واتقوا النساء ، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء » « 1 » . قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً [ 9 ] . أَمْ في هذه الآية الكريمة هي المنقطعة عن التحقيق ، ومعناها عند الجمهور « بل والهمزة » وعند بعض العلماء بمعنى « بل » فقط ، فعلى القول الأول فالمعنى : بل أحسبت ، وعلى الثاني - فالمعنى : بل حبست ، فهي على القول الأول جامعة بين الإضراب والإنكار . وعلى الثاني - فهي للإضراب الانتقالي فقط . وأظهر الأقوال في معنى الآية الكريمة : أن اللّه يقول لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم : إن قصة أصحاب الكهف وإن استعظمها الناس وعجبوا منها ، فليست شيئا ما على الأرض زينة لها ، وجعلنا إياها بعد ذلك صعيدا جرزا - أعظم وأوجب مما فعلنا بأصحاب الكهف ، ومن كوننا أنمناهم هذا الزمن الطويل ، ثم بعثناهم ، ويدل لهذا الذي ذكرنا آيات كثيرة : منها - أنه قال : إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها إلى قوله - صَعِيداً جُرُزاً ( 8 ) [ الكهف : 7 - 8 ] ، ثم أتبع ذلك بقوله : أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ الآية ، فدل ذلك على أن المراد أن قصتهم لا عجب فيها بالنسبة إلى ما خلقنا مما هو أعظم منها . ومنها - أنه يكثر في القرآن العظيم تنبيه الناس على أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق الناس ، ومن خلق الأعظم فهو قادر على الأصغر بلا شك ، كقوله تعالى : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [ غافر : 57 ] الآية ، وكقوله : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها ( 27 ) إلى قوله مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ( 33 ) [ النازعات : 33 ] كما قدمناه مستوفى في سورة « البقرة والنحل » . ومن خلق هذه المخلوقات العظام : كالسماء والأرض وما فيهما - فلا عجب في إقامته أهل الكهف هذه المدة الطويلة ، ثم بعثه إياهم ، كما هو واضح . والكهف : النقب المتسع في الجبل ، فإن لم يك واسعا فهو غار . وقيل : كل غار في جبل : كهف . وما يروى عن أنس من أن الكهف نفس الجبل غريب ، غير معروف في اللغة . واختلف العلماء في المراد ب الرَّقِيمِ في هذه الآية على أقوال كثيرة ، قيل : الرقيم
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي سعيد الخدري : مسلم في الرقاق حديث 99 ، وأحمد في المسند 3 / 22 .