الشنقيطي

147

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

نزولها في الكفار تصريحه تعالى بذلك في قوله بعده يليه أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ [ الكهف : 105 ] الآية . فقول من قال : إنهم الكفار ، وقول من قال : إنهم الرهبان ، وقول من قال : إنهم أهل الكتاب الكافرون بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم كل ذلك تشمله هذه الآية . وقد روى البخاري في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه أنه سأله ابنه مصعب عن « الأخسرين أعمالا » في هذه الآية هل هم الحرورية ؟ فقال لا هم اليهود والنصارى . أما اليهود فكفروا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وأما النصارى فكفروا بالجنة ، وقالوا لا طعام فيها ، ولا شراب . والحرورية الذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه ، وكان سعيد يسميهم الفاسقين . ا ه من البخاري « 1 » . وما روي عن علي رضي اللّه عنه من أنهم أهل حروراء المعروفون بالحروريين معناه أنهم يكون فيهم من معنى الآية بقدر ما فعلوا ، لأنهم يرتكبون أمورا شنيعة من الضلال ، ويعتقدون أنها هي معنى الكتاب والسنة ، فقد ضل سيعهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا . وإن كانوا في ذلك أقل من الكفار المجاهرين ؛ لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب كما قد قدمنا إيضاحه وأدلته . وقوله في هذه الآية الكريمة : الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ [ 104 ] أي بطل واضمحل . وقد قدمنا أن الضلال يطلق في القرآن واللغة العربية ثلاثة إطلاقات : الأول - الضلال بمعنى الذهاب عن طريق الحق إلى طريق الباطل ؛ كالذهاب عن الإسلام إلى الكفر . وهذا أكثر استعمالاته في القرآن ؛ ومنه قوله تعالى : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ( 7 ) [ الفاتحة : 7 ] ، وقوله : وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ( 77 ) [ المائدة : 77 ] . الثاني - الضلال بمعنى الهلاك والغيبة والاضمحلال ، ومنه قول العرب : ضل السمن في الطعام إذا استهلك فيه وغاب فيه . ومنه بهذا المعنى قوله تعالى : وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 75 ) [ القصص : 75 ] أي غاب واضمحل ، وقوله هنا : الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ أي بطل واضمحل ، وقول الشاعر : ألم تسأل فتخبرك الديار * عن الحي المضلل أين ساروا أي عن الحي الذي غاب واضمحل ، ومن هنا سمي الدفن إضلالا ؛ لأن مآل الميت المدفون إلى أن تختلط عظامه بالأرض ، فيضل فيها كما يضل السمن في الطعام . ومن إطلاق الضلال على الدفن قول نابغة ذبيان : فآب مضلوه بعين جلية * وغودر بالجولان حزم ونائل فقوله « مضلوه » يعني دافنيه في قبره . ومن هذا المعنى قوله تعالى : وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا

--> ( 1 ) كتاب التفسير حديث 4728 .