الشنقيطي

144

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وَعَشِيًّا [ غافر : 46 ] ، وقوله تعالى : وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا [ الكهف : 48 ] ، ونظيره في كلام العرب من إتيان اللام بمعنى على - البيت الذي قدمناه في أول سورة « هود » ، وقدمنا الاختلاف في قائله ، وهو قوله : هتكت له بالرمح جيب قميصه * فخر صريعا لليدين وللفم أي خر صريعا على اليدين : وقد علم من هذه الآيات : أن النار تعرض عليهم ويعرضون عليها ؛ لأنها تقرب إليهم ويقربون إليها ؛ كما قال تعالى في عرضها عليهم هنا : وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً ( 100 ) ، وقال في عرضهم عليها : وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ * الآية ، ونحوها من الآيات . وقد بينا شيئا من صفات عرضهم دلت عليه آيات أخر من كتاب اللّه في الكلام على قوله تعالى وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا . وقول من قال : إن قوله هنا : « وعرضنا جهنم » الآية فيه قلب ؛ وأن المعنى : وعرضنا الكافرين لجهنم أي عليها - بعيد كما أوضحه أبو حيان في البحر . واللّه تعالى أعلم . قوله تعالى : الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ( 101 ) [ 101 ] آية . التحقيق في قوله : الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ أنه في محل خفص نعتا للكافرين . وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن من صفات الكافرين الذين تعرض لهم جهنم يوم القيامة - أنهم كانت أعينهم في دار الدنيا في غطاء عن ذكره تعالى ، وكانوا لا يستطيعون سمعا . وقد بين هذا من صفاتهم في آيات كثيرة ، كقوله في تغطية أعينهم : وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [ البقرة : 7 ] الآية ، وقوله وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً [ الجاثية : 14 ] الآية ، وقوله : * أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى [ الرعد : 19 ] ، وقوله : وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ [ غافر : 58 ] الآية ، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا . وقال في عدم استطاعتهم السمع : أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ ( 23 ) [ محمد : 23 ] ، وقال : إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً [ الكهف : 57 ] . وقد بينا معنى كونهم لا يستطيعون السمع في أول سورة « هود » في الكلام على قوله تعالى : يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ ( 20 ) [ هود : 20 ] فأغنى عن إعادته هنا . وقد بينا أيضا طرفا من ذلك في الكلام على قوله تعالى في هذه السورة الكريمة : إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وقد بين تعالى في موضع آخر : أن الغطاء المذكور الذي يعشو بسببه البصر عن ذكره تعالى يقيض اللّه لصاحبه شيطانا فيجعله له قرينا ؛ وذلك في قوله تعالى : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ( 36 ) [ الزخرف : 36 ] الآية .