الشنقيطي
142
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
خبر ناقض خبر الصادق المصدوق صلّى اللّه عليه وسلّم فهو باطل ؛ لأن نقيض الخبر الصادق كاذب ضرورة كما هو معلوم . ولم يثبت في كتاب اللّه ولا سنة نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم شيء يعارض هذا الحديث الذي رأيت صحة سنده ، ووضوح دلالته على المقصود . والعمدة في الحقيقة لمن ادعى أن يأجوج ومأجوج هم روسية ، ومن ادعى من الملحدين أنهم لا وجود لهم أصلا - هي حجة عقلية في زعم صاحبها ، وهي بحسب المقرر في الجدل قياس استثنائي مركب من شرطية متصلة لزومية في زعم المستدل به يستثنى فيه نقيض التالي ، فينتج نقيض المقدم . وصورة نظمه أن يقول : لو كان يأجوج ومأجوج وراء السد إلى الآن ، لأطلع عليهم الناس لتطور طرق المواصلات ، لكنهم لم يطلع عليهم أحد ينتج فهم ليسوا وراء السد إلى الآن ، لأن استثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم كما هو معلوم . وبعبارة أوضح لغير المنطقي : لأن نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم - هذا هو عمدة حجة المنكرين وجودهم إلى الآن وراء السد . ومن المعلوم أن القياس الاستثنائي المعروف بالشرطي ، إذا كان مركبا من شرطية متصلة واستثنائية ، فإنه يتوجه عليه القدح من ثلاث وجهات : الأولى - أن يقدح فيه من جهة شرطيته ، لكون الربط بين المقدم والتالي ليس صحيحا . الثانية - أن يقدح فيه من جهة استثنائيته . الثالثة - أن يقدح فيه من جهتهما معا . وهذا القياس المزعوم يقدح فيه من جهة شرطيته فيقول للمعترض : الربط فيه بين المقدم والتالي غير صحيح . فقولكم : لو كانوا موجودين وراء السد إلى الآن لأطلع عليهم الناس غير صحيح ؛ لإمكان أن يكونوا موجودين واللّه يخفي مكانهم على عامة الناس حتى يأتي الوقت المحدد لإخراجهم على الناس ، ومما يؤيد إمكان هذا ما ذكره اللّه تعالى في سورة « المائدة » من أنه جعل بني إسرائيل يتيهون في الأرض أربعين سنة . وذلك في قوله تعالى : قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ [ المائدة : 26 ] الآية ، وهم في فراسخ قليلة من الأرض ، يمشون ليلهم ونهارهم ولم يطلع عليهم الناس حتى انتهى أمد التيه ، لأنهم لو اجتمعوا بالناس لبينوا لهم الطريق . وعلى كل حال ، فربك فعال لما يريد . وأخبار رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم الثابتة عنه صادقة ، وما يوجد بين أهل الكتاب مما يخالف ما ذكرنا ونحوه من القصص الواردة في القرآن والسنة الصحيحة ، زاعمين أنه منزل في التوراة أو غير من الكتب السماوية - باطل يقينا لا يعول علينا ؛ لأن اللّه جل وعلا صرح في هذا القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكم حميد بأنهم بدلوا وحرفوا وغيروا في كتبهم ، كقوله : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ [ المائدة : 13 ] ، وقوله : تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً [ الأنعام : 91 ] ،