الشنقيطي
137
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
زاعمين أن إرادة الجدار الانقضاض لا يمكن أن تكون حقيقة ، وإنما هي مجاز . وقد دلت آيات من كتاب اللّه على أنه لا مانع من كون إرادة الجدار حقيقة ، لأن اللّه تعالى يعلم للجمادات إرادات وأفعالا وأقوالا لا يدركها الخلق كما صرح تعالى بأنه يعلم من ذلك ما لا يعلمه خلقه في قوله جل وعلا : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء : 44 ] فصرح بأننا لا نفقه تسبيحهم وتسبيحهم واقع عن إرادة لهم يعلمها هو جل وعلا ونحن لا نعلمها . وأمثال ذلك كثيرة في القرآن والسنة . فمن الآيات الدالة على ذلك - قوله تعالى : وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [ البقرة : 74 ] الآية . فتصريحه تعالى بأن بعض الحجارة يهبط من خشية اللّه دليل واضح في ذلك ؛ لأن تلك الخشية بإدراك يعلمه اللّه ونحن لا نعلمه . وقوله تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ [ الأحزاب : 72 ] الآية . فتصريحه جل وعلا بأن السماء والأرض والجبال أبت وأشفقت أي خافت - دليل على أن ذلك واقع بإرادة وإدراك يعلمه هو جل وعلا ونحن لا نعلمه . ومن الأحاديث الدالة على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إني لأعرف حجرا كان يسلم علي بمكة » « 1 » وما ثبت في صحيح البخاري « 2 » من حنين الجذع الذي كان يخطب عليه صلّى اللّه عليه وسلّم جزعا لفراقه - فتسليم ذلك الحجر ، وحنين ذلك الجذع كلاهما بإرادة وإدراك يعلمه اللّه ونحن لا نعلمه ، كما صرح بمثله في قوله : وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء : 44 ] . وزعم من لا علم عنده أن هذه الأمور لا حقيقة لها ، وإنما هي ضرب أمثال - زعم باطل ، لأن نصوص الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن معناها الواضح المتبادر إلا بدليل يجب الرجوع إليه . وأمثال هذا كثيرة جدا . وبذلك تعلم أنه لا مانع من إبقاء إرادة الجدار على حقيقتها لإمكان أن يكون اللّه علم منه إرادة الانقضاض ، وإن لم يعلم خلقه تلك الإرادة . وهذا واضح جدا كما ترى . مع أنه من الأساليب المربية إطلاق الإرادة على المقاربة والميل إلى الشيء . كما في قول الشاعر : يريد الرمح صدر أبي براء * ويعدل عن دماء بني عقيل أي يميل إلى صدر أبي براء . وكقول راعي نمير : إن دهرا يلف شملي بجمل * لزمان يهم بالإحسان
--> ( 1 ) أخرجه عن جابر بن سمرة مسلم في الفضائل حديث 2 . ( 2 ) أخرجه عن ابن عمر البخاري في المناقب حديث 3583 . وأخرجه عن جابر بن عبد اللّه البخاري في المناقب حديث 3584 و 3585 .