الشنقيطي

134

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الاختلاف في الصورة النادرة : هل تدخل في العام والمطلق أولا - اختلاف العلماء في وجوب الغسل من خروج المني الخارج بغير لذة ، كمن تلدغه عقرب في ذكره فينزل منه المني . فنزول المني بغير لذة ، أو بلذة غير معتادة صورة نادرة ، ووجوب الغسل منه يجري على الخلاف المدخول في دخول الصور النادرة في العام والمطلق وعدم دخولها فيهما . فعلى دخول تلك الصورة النادرة في عموم « إنما الماء من الماء » « 1 » فالغسل واجب ، وعلى العكس فلا . ومن أمثلة ذلك في المطلق ما لو أوصى رجل برأس من رقيقه ، فهل يجوز دفع الخنثى أولا . فعلى دخول الصورة النادرة في المطلق يجوز دفع الخنثى ، وعلى العكس فلا . ومن أمثلة الاختلاف في دخول الصورة غير المقصودة في الإطلاق . ما لو وكل رجل آخر على أن يشتري له عبدا ليخدمه ، فاشترى الوكيل عبدا يعتق على الموكل ، فالموكل لم يقصد من يعتق عليه ، وإنما أراد خادما يخدمه ، فعلى دخول الصورة غير المقصودة في المطلق يمضي البيع ويعتق العبد ، وعلى العكس فلا . وإلا هاتين المسألتين أشار في المراقي بقوله : هل نادر في ذي العموم يدخل * ومطلق أولا خلاف ينقل فما لغير لذة والفيل * ومشبه فيه تنافي القيل وما من القصد خلا فيه اختلف * وقد يجيء بالمجاز متصف وممن مال إلى عدم دخول الصور النادرة وغير المقصودة في العام والمطلق أبو إسحاق الشاطبي رحمه اللّه تعالى . قال مقيده عفا اللّه عنه : الذي يظهر رجحانه بحسب المقرر في الأصول - شمول العام والمطلق للصور النادرة ، لأن العام ظاهر في عمومه حتى يرد دليل مخصص من كتاب أو سنة . وإذا تقرر أن العام ظاهر في عمومه وشموله لجميع الأفراد فحكم الظاهر أنه لا يعدل عنه ، بل يجب العمل به إلا بدليل يصلح للتخصيص . وقد كان الصحابة رضي اللّه عنهم يعملون بشمول العمومات من غير توقف في ذلك . وبذلك تعلم أن دخول الخضر في عموم قوله تعالى : وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [ الأنبياء : 34 ] الآية وعموم قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد » « 2 » هو الصحيح ، ولا يمكن خروجه من تلك العمومات إلا بمخصص صالح للتخصيص . ومما يوضح ذلك : أن الخنثى صورة نادرة جدا ، مع أنه داخل في عموم آيات

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي سعيد الخدري : مسلم في الحيض حديث 81 ، وأبو داود في الطهارة حديث 217 . ( 2 ) سبق تخريجه .