الشنقيطي
13
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
إيمانهم . أو بعد موتهم على الكفر . يقال : مات فلان على أثر فلان ؛ أي بعده . وقال الزمخشري : شبهه وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به ، وما داخله من الوجد والأسف على توليهم برجل فارقته أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجدا عليهم ، وتلهفا على فراقهم ! والأسف هنا : شدة الحزن . وقد يطلق الأسف على الغضب ! كقوله : فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ [ الزخرف : 55 ] . فإذا حققت معنى هذه الآية الكريمة - فاعلم أن ما ذكره فيها جل وعلا من شدة حزن نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم ، وعن نهيه له عن ذلك مبين في آيات أخر كثيرة ، كقوله : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [ فاطر : 8 ] ، وكقوله : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 3 ) [ الشعراء : 3 ] ، وكقوله : وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 88 ) [ الحجر : 88 ] ، وكقوله : فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 68 ) [ المائدة : 68 ] ، وكقوله : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ [ الأنعام : 33 ] ، وكقوله وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ( 97 ) [ الحجر : 97 ] كما قدمناه موضحا . وقوله في هذه الآية الكريمة أَسَفاً مفعول من أجله ، أي مهلك نفسك من أجل الأسف . ويجوز إعرابه حالا ؛ أي في حال كونك آسفا عليهم . على حد قوله في الخلاصة : ومصدر منكر حالا يقع * بكثرة كبغتة زيد طلع قوله تعالى : إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ( 7 ) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً ( 8 ) [ 7 - 8 ] . قال الزمخشري في معنى هذه الآية الكريمة : « ما عَلَيْها » يعني ما على الأرض مما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها . وقال بعض العلماء : كل ما على الأرض زينة لها من غير تخصيص . وعلى هذا القول - فوجه كل الحيات وغيرها مما يؤدي زينة للأرض ؛ لأنه يدل على وجود خالقه ، واتصافه بصفات الكمال والجلال ، ووجود ما يحصل به هذا العلم في شيء زينة له . وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أن من أنواع البيان المذكورة فيه - أن يذكر لفظ عام ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه ، كقوله تعالى : ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ [ الحج : 32 ] الآية . مع تصريحه بأن البدن داخلة في هذا العموم بقوله وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [ الحج : 36 ] الآية . وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله في هذه الآية الكريمة : إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها قد صرح في مواضع أخر ببعض الأفراد الداخلة فيه ، كقوله تعالى : الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا [ الكهف : 46 ] الآية ، وقوله : وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً [ النحل : 8 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات .