الشنقيطي
120
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
مركبة من ثلاث كلمات : الأولى الحرف الذي هو اللام ، والثانية من ، والثالثة ما ، وهذا القول وإن قال به بعض أهل العلم - لا يخفى ضعفه وبعده ، وأنه لا يجوز حمل القرآن عليه . وقصدنا مطلق التمثيل ل « لما » المركبة من كلمات على قول من قال بذلك . وأما المركبة من كلمتين فكقول الشاعر : لما رأيت أبا يزيد مقاتلا * أدع القتال وأشهد الهيجاء لأن قوله « لما » في هذه البيت ، مركبة من « لن » النافية الناصبة للمضارع و « ما » المصدرية الظرفية ، أي لن أدع القتال ما رأيت أبا يزيد مقاتلا ، أي مدة رؤيتي له مقاتلا . قوله تعالى : فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما [ 61 ] آية . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن موسى وفتاه نصبا حوتهما لما بلغ مجمع البحرين ، ولكنه تعالى أوضح أن النسيان واقع من فتى موسى ، لأنه هو الذي كان تحت يده الحوت ، وهو الذي نسيه . وإنما أسند النسيان إليهما ، لأن إطلاق المجموع مرادا بعضه - أسلوب عربي كثير في القرآن وفي كلام العرب . وقد أوضحنا أن من أظهر أدلته قراءة حمزة والكسائي فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [ البقرة : 191 ] من القتل في الفعلين لا من القتال ، أي فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر . والدليل على أن النسيان إنما وقع من فتى موسى دون موسى قوله تعالى عنهما : فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً ( 62 ) قالَ أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [ الكهف : 62 - 63 ] الآية ، لأن قول موسى : « آتنا غداءنا » يعني به الحوت - فهو يظن أن فتاه لم ينسه ، كما قاله غير واحد . وقد صرح فتاه : بأنه نسيه بقوله : فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ الآية . وقوله في هذه الآية الكريمة : وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ دليل على أن النسيان من الشيطان كما دلت عليه آيات أخر ؛ كقوله تعالى : وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 68 ) [ الأنعام : 68 ] وقوله تعالى : اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ [ المجادلة : 19 ] الآية . وفتى موسى هو يوشع بن نون . والضمير في قوله تعالى : مَجْمَعَ بَيْنِهِما عائد إلى « البحرين » المذكورين في قوله تعالى : لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ [ الكهف : 60 ] الآية . والمجمع : اسم مكان على القياس ، أي مكان اجتماعهما . والعلماء مختلفون في تعيين « البحرين » المذكورين . فذهب أكثرهم إلى أنهما بحر فارس مما يلي المشرق ، وبحر الروم مما يلي المغرب . وقال محمد بن كعب القرظي : « مجمع البحرين » عند طنجة في أقصى بلاد المغرب وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي