الشنقيطي

92

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [ الأنعام : 112 ] ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « الكلب الأسود شيطان » « 1 » وقول جرير : أيام يدعونني الشيطان من غزلي * وكن يهوينني إذ كنت شيطانا ولا شك أن أصحاب الأقمار الصناعية يدخلون في اسم الشياطين دخولا أوليا لعتوهم وتمردهم . وإذا علمت ذلك فاعلم أنه تعالى صرح بحفظ السماء من كل شيطان كائنا من كان في عدد آيات من كتابه كقوله هنا : وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ( 17 ) وقوله : أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 12 ) [ فصلت : 12 ] إلى غير ذلك من الآيات . وصرح بأن من أراد استراق السمع أتبعه شهاب راصد له في مواضع أخر كقوله : فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً ( 9 ) [ الجن : 9 ] وقوله : إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ ( 18 ) [ الحجر : 18 ] وقوله : إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ ( 10 ) [ الصافات : 10 ] وقال : إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ( 212 ) [ الشعراء : 212 ] وقال : أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 38 ) [ الطور : 38 ] وهو تعجيز دال على عجز البشر عن ذلك عجزا مطلقا ، وقال : أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ ( 10 ) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ ( 11 ) [ ص : 10 - 11 ] فقوله في هذه الآية الكريمة : فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ ( 10 ) ، أي فليصعدوا في أسباب السماوات التي توصل إليها . وصيغة الأمر في قوله : فَلْيَرْتَقُوا للتعجيز وإيرادها للتعجيز دليل على عجز البشر عن ذلك عجزا مطلقا . وقوله جل وعلا بعد ذلك التعجيز : جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ يفهم منه أنه لو تنطع جند من الأحزاب للارتقاء في أسباب السماء أنه يرجع مهزوما صاغرا داخرا ذليلا ، ومما يدل على أن الآية الكريمة يشار فيها إلى شيء ما كان يظنه الناس وقت نزولها إبهامه جل وعلا لذلك الجند بلفظة ما في قوله : جُنْدٌ ما وإشارته إلى مكان ذلك الجند أو مكان انهزامه إشارة البعيد في قوله : هُنالِكَ ولم يتقدم في الآية ما يظهر رجوع الإشارة إليه إلا الارتقاء في أسباب السماوات . فالآية الكريمة يفهم منها ما ذكرنا ، ومعلوم أنها لم يفسرها بذلك أحد من العلماء ، بل عبارات المفسرين تدور على أن الجند المذكور الكفار الذين كذبوه صلى اللّه عليه وسلم ، وأنه صلى اللّه عليه وسلم سوف يهزمهم ، وأن ذلك تحقق يوم بدر أو يوم فتح مكة ، ولكن كتاب اللّه لا تزال تظهر غرائبه

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي ذر الغفاري : مسلم في الصلاة حديث 265 ، وأبو داود في الصلاة حديث 702 ، والترمذي في الصلاة حديث 338 ، والنسائي في القبلة ، باب ما يقطع الصلاة وما لا يقطع ، وابن ماجة في إقامة الصلاة والسنة فيها حديث 952 ، وأحمد في المسند 5 / 149 ، 151 ، 155 ، 160 ، وأخرجه عن عائشة أحمد في المسند 6 / 157 ، 280 .