الشنقيطي
81
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقوله الآخر : ومن ورائك يوم أنت بالغه * لا حاضر معجز عنه ولا باد فوراء بمعنى أمام في الأبيات . وقال بعض العلماء ؛ ومعنى من ورائه جهنم ، أي من بعد هلاكه جهنم ، وعليه فوراء في الآية بمعنى بعد ، ومن إطلاق وراء بمعنى بعد قول النابغة : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وليس وراء اللّه للمرء مذهب أي ليس بعد اللّه مذهب ، قال القرطبي . والأول هو الظاهر وهو الحق . قوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ [ 18 ] الآية . ضرب اللّه تعالى لأعمال الكفار مثلا في هذه الآية الكريمة كرماد اشتدت به الرياح في يوم عاصف ، أي شديد الريح ، فإن تلك الريح الشديدة العاصفة تطير ذلك الرماد ولم تبق له أثرا فكذلك أعمال الكفار كصلات الأرحام وقري الضيف والتنفيس عن المكروب وبر الوالدين ونحو ذلك يبطلها الكفر ويذهبها كما تطير تلك الريح ذلك الرماد وضرب أمثالا أخر في آيات أخر لأعمال الكفار بهذا المعنى كقوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [ النور : 39 ] وقوله مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ [ آل عمران : 117 ] الآية وقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ( 264 ) [ البقرة : 264 ] وقوله : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 ) [ الفرقان : 23 ] إلى غير ذلك من الآيات . وبين في موضع آخر أن الحكمة في ضربه للأمثال أن يتفكر الناس فيها فيفهموا الشيء بنظرة وهو قوله : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 21 ) [ الحشر : 21 ] ونظيره قوله وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 25 ) [ إبراهيم : 25 ] وبين في موضع آخر أن الأمثال لا يعقلها إلا أهل العلم وهو قوله تعالى : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ( 43 ) [ العنكبوت : 43 ] وبين في موضع آخر أن المثل المضروب بجعله اللّه سبب هداية لقوم فهموه وسبب ضلال لقوم لم يفهموا حكمته وهو قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ( 26 ) [ البقرة : 26 ] وبين في موضع آخر أنه تعالى لا يستحي أن يضرب مثلا ما ولو كان المثل المضروب بعوضة فما