الشنقيطي

69

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

حيض بأنه دم بصفات الحيض في زمن إمكانه ، وبأنه متردد بين كونه فسادا لعلة أو حيضا ، والأصل السلامة من العلة ، فيجب استصحاب الأصل . واحتج من قال بأنه دم فساد بأدلة منها : ما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر في طلاقه امرأته في الحيض أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لعمر : « مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا » . وهذه الرواية أخرجها أحمد « 1 » ومسلم « 2 » وأصحاب السنن الأربعة « 3 » . قالوا : قد جعل صلى اللّه عليه وسلم الحمل علامة على عدم الحيض ، كما جعل الطهر علامة لذلك . ومنها : حديث « لا توطأ حامل حتى تضع ، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة » رواه أحمد وأبو داود والحاكم من حديث أبي سعيد رضي اللّه عنه وصححه الحاكم وله شواهد ، قالوا : فجعل صلى اللّه عليه وسلم الحيض علامة على براءة الرحم فدل ذلك على أنه لا يجتمع مع الحمل . ومنها أنه دم في زمن لا يعتاد فيه الحيض غالبا فكان غير حيض قياسا على ما تراه اليائسة بجامع غلبة عدم الحيض في كل منهما . وقد قال الإمام أحمد رحمه اللّه « إنما يعرف النساء الحمل بانقطاع الدم » . ومنها : أنه لو كان دم حيض ما انتفت عنه لوازم الحيض . فلما انتفت عنه دل ذلك على أنه غير حيض ، لأن انتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم ، فمن لازم الحيض حرمة الطلاق ، ودم الحامل لا يمنع طلاقها ، للحديث المذكور آنفا الدال على إباحة طلاق الحامل والطاهر ، ومن لازم الحيض أيضا انقضاء العدة به ودم الحامل لا أثر له في انقضاء عدتها لأنها تعتد بوضع حملها لقوله تعالى : وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [ الطلاق : 4 ] وفي هذه الأدلة مناقشات ذكر بعضها النووي في شرح المهذب . واعلم أن مذهب مالك التفصيل في أكثر حيض الحامل فإن رأته في شهرها الثالث إلى انتهاء الخامس تركت الصلاة نصف شهر ونحوه وفسروا نحوه بزيادة خمسة أيام فتجلس عشرين يوما ، فإن حاضت في شهرها السادس فما بعده تركت الصلاة عشرين يوما ونحوها ، وفسروا نحوها بزيادة خمسة أيام فتجلس خمسا وعشرين . وفسره بعضهم بزيادة عشرة ، فتجلس شهرا ، فإن حاضت الحامل قبل الدخول في الشهر الثالث . فقيل حكمه حكم الحيض في الثالث وقد تقدم .

--> ( 1 ) المسند 1 / 26 ، 43 ، 52 ، 54 ، 58 . ( 2 ) كتاب الطلاق حديث 1 - 14 . ( 3 ) أخرجه أبو داود في الطلاق حديث 2179 و 2180 و 2181 و 2182 و 2184 و 2185 ، والترمذي في الطلاق واللعان حديث 1175 و 1176 ، والنسائي في الطلاق ، باب ما يفعل إذا طلق تطليقة وهي حائض وباب وقت الطلاق للعدة التي أمر اللّه ، وباب الطلاق لغير العدة .