الشنقيطي

58

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

يعني لا أرانب فيها ولا ضباب . وعلى هذا فقوله بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها أي لا عمد لها حتى تروها ، والعمد : جمع عمود على غير قياس ، ومنه قول نابغة ذبيان : وخسيس الجن إني قد أذنت لهم * يبنون تدمر بالصفاح والعمد والصفاح - بالضم والتشديد - : الحجر العريض . قوله تعالى : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ [ 6 ] الآية . المراد بالسيئة هنا : العقوبة وإنزال العذاب قبل الحسنة ، أي قبل العافية ، وقيل الإيمان ، وقد بين تعالى في هذه الآية أن الكفار يطلبون منه صلى اللّه عليه وسلم أن يعجل لهم العذاب الذي يخوفهم به إن تمادوا على الكفر ، وقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة ، كقوله : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ [ الحج : 47 ] ، وكقوله : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 53 ) [ العنكبوت : 53 ] ، وكقوله : يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ( 54 ) [ العنكبوت : 54 ] ، وقوله : سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ( 1 ) لِلْكافِرينَ [ المعارج : 2 ] ، وقوله : وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [ الأنفال : 32 ] الآية . وقوله : يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ [ الشور : 18 ] ، وقوله : وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ ( 16 ) [ ص : 16 ] إلى غير ذلك من الآيات . وسبب طلبهم لتعجيل العذاب هو العناد ، وزعم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كاذب فيما يخوفهم به من بأس اللّه وعقابه ، كما قال تعالى : وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ [ هود : 8 ] ، وكقوله : فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 77 ) [ الأعراف : 77 ] ، وقوله : قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 32 ) [ هود : 32 ] ، كما تقدمت الإشارة إلى هذا . والمثلات : العقوبات واحدتها مثلة . والمعنى : أنهم يطلبون تعجيل العذاب تمردا وطغيانا ، ولم يتعظوا بما أوقع اللّه بالأمم السالفة من المثلات - أي العقوبات - كما فعل بقوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم لوط ، وقوم شعيب ، وفرعون وقومه وغيرهم .