الشنقيطي
56
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وهذه الآيات القرآنية تدل على أن توحيد الربوبية لا ينقذ من الكفر إلا إذا كان معه توحيد العبادة ، أي عبادة اللّه وحده لا شريك له ، ويدل لذلك قوله تعالى : وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ( 106 ) . وفي هذه الآية الكريمة إشكال : وهو أن المقرر في علم البلاغة أن الحال قيد لعاملها وصف لصاحبها وعليه ؛ فإن عامل هذه الجملة الحالية الذي هو يؤمن مقيد بها ، فيصير المعنى تقييد إيمانهم بكونهم مشركين ، وهو مشكل لما بين الإيمان والشرك من المنافاة . قال مقيده - عفا اللّه عنه : لم أر من شفى الغليل في هذا الإشكال ، والذي يظهر لي - واللّه تعالى أعلم - أن هذا الإيمان المقيد بحال الشرك إنما هو إيمان لغوي لا شرعي ؛ لأن من يعبد مع اللّه غيره لا يصدق عليه اسم الإيمان البتة شرعا ؛ أما الإيمان اللغوي فهو يشمل كل تصديق ، فتصديق الكافر بأن اللّه هو الخالق الرازق يصدق عليه اسم الإيمان لغة مع كفره باللّه ، ولا يصدق عليه اسم الإيمان شرعا . وإذا حققت ذلك علمت أن الإيمان اللغوي يجامع الشرك فلا إشكال في تقييده به ، وكذلك الإسلام الموجود دون الإيمان في قوله تعالى : قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [ الحجرات : 14 ] فهو الإسلام اللغوي ؛ لأن الإسلام الشرعي لا يوجد ممن لم يدخل الإيمان في قلبه ، والعلم عند اللّه تعالى . وقال بعض العلماء : « نزلت آية وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ( 106 ) في قول الكفار في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك » وهو راجع إلى ما ذكرنا . قوله تعالى : لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [ 111 ] . ذكر اللّه جل وعلا في هذه الآية أن في أخبار المرسلين مع أممهم ، وكيف نجى اللّه المؤمنين وأهلك الكافرين عبرة لأولي الألباب ، أي عظة لأهل العقول . وبين هذا المعنى في آيات كثيرة ، كقوله في قوم لوط : وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ( 137 ) وَبِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 138 ) [ الصافات : 138 ] ، كما تقدمت الإشارة إليه مرارا ، والعلم عند اللّه تعالى .