الشنقيطي
45
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صائم . وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة » « 1 » لأنه ترك ما تميل إليه نفسه بالطبع خوفا من اللّه ، وامتثالا لأمره ، كما قال تعالى : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ( 41 ) [ النازعات : 40 - 41 ] . وهم بني حارثة وبني سلمة بالفرار يوم أحد « 2 » ، كهم يوسف هذا ، بدليل قوله : إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما [ الأعراف : 122 ] لأن قوله : وَاللَّهُ وَلِيُّهُما يدل على أن ذلك الهم ليس معصية ، لأن اتباع المعصية بولاية اللّه لذلك العاصي إغراء على المعصية . والعرب تطلق الهم وتريد به المحبة والشهوة ، فيقول الإنسان فيما لا يحبه ولا يشتهيه : هذا ما يهمني ، ويقول فيما يحبه ويشتهيه : هذا أهم الأشياء إلي ، بخلاف هم امرأة العزيز ، فإنه هم عزم وتصميم ، بدليل أنها شقت قميصه من دبر وهو هارب عنها ، ولم يمنعها من الوقوع فيما لا ينبغي إلا عجزها عنه . ومثل هذا التصميم على المعصية : معصية يؤاخذ بها صاحبها ، بدليل الحديث الثابت في الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم من حديث أبي بكرة : « إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار » قالوا : يا رسول اللّه قد عرفنا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : « إنه كان حريصا على قتل صاحبه » « 3 » فرح صلى اللّه عليه وسلم بأن تصميم عزمه على قتل صاحبه معصية أدخله اللّه بسببها النار . وأما تأويلهم هم يوسف بأنه قارب الهم ولم يهم بالفعل ، كقول العرب : قتلته لو لم أخف اللّه ، أي قاربت أن أقتله ، كما قاله الزمخشري . وتأويل الهم بأنه هم بضربها ، أو هم بدفعها عن نفسه ، فكل ذلك غير ظاهر ، بل بعيد من الظاهر ولا دليل عليه . والجواب الثاني - وهو اختيار أبي حيان : أن يوسف لم يقع منه هم أصلا ، بل هو منفى عنه لوجود البرهان . قال مقيده عفا اللّه عنه : هذا الوجه الذي اختاره أبو حيان وغيره هو أجر الأقوال على قواعد اللغة العربية ، لأن الغالب في القرآن وفي كلام العرب : أن الجواب المحذوف يذكر قبله ما يدل عليه ، كقوله : فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ( 84 ) [ يونس : 84 ] أي إن كنتم
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس : البخاري في الرقاق حديث 6491 ، ومسلم في الإيمان حديث 207 ، وأحمد في المسند 1 / 227 ، 279 ، 310 ، 361 ، والدارمي في الرقاق 2 / 321 ، وأخرجه عن أبي هريرة مسلم في الإيمان حديث 203 و 204 ، والترمذي في التفسير حديث 3073 . ( 2 ) أخرجه عن جابر بن عبد اللّه البخاري في التفسير حديث 4558 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الإيمان حديث 31 ، والديات حديث 6875 ، والفتن حديث 7083 ، ومسلم في الفتن وأشراط الساعة حديث 14 و 15 .