الشنقيطي

448

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

جل وعلا أوضح في غير موضع : أن إجابة المضطر ، وإنجاءه من الكرب من حقوقه التي لا يشاركه فيها غيره . ومن أوضح الأدلة في ذلك قوله تعالى « في سورة النمل » : آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ( 59 ) أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ( 60 ) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 61 ) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [ النمل : 95 - 62 ] الآيات . فتراه جل وعلا في هذه الآية الكريمات جعل إجابة المضطر إذا دعا وكشف السوء عنه من حقه الخالص الذي لا يشاركه فيه أحد ؛ كخلقه السماوات والأرض ، وإنزاله الماء من السماء ، وإنباته به الشجر ، وجعله الأرض قرارا ، وجعله خلالها أنهارا ، وجعله لها رواسي ، وجعله بين البحرين حاجزا ، إلى آخر ما ذكر في هذه الآيات من غرائب صنعه وعجائبه التي لا يشاركه فيها أحد ؛ سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا . وهذا الذي ذكره اللّه جل وعلا في هذه الآيات الكريمات : كان سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل ؛ فإنه لما فتح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة ذهب فارا منه إلى بلاد الحبشة ، فركب في البحر متوجها إلى الحبشة ؛ فجاءتهم ريح عاصف فقال القوم بعضهم لبعض : إنه لا يفنى عنكم إلا أن تدعوا اللّه وحده . فقال عكرمة في نفسه : واللّه إن كان لا ينفع في البحر غيره فإنه لا ينفع في البر غيره ! اللهم لك علي عهد ، لئن أخرجتني منه لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد صلى اللّه عليه وسلم فلأجدنه رؤوفا رحيما . فخرجوا من البحر ، فخرج إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وحسن إسلامه رضي اللّه عنه اه . والظاهر أن الضمير في قوله بِهِ تَبِيعاً ( 69 ) راجع إلى الإهلاك بالإغراق المفهوم من قوله فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ أي لا تجدون تبيعا يتبعنا بثأركم بسبب ذلك الإغراق . وقال صاحب روح المعاني . وضمير « به » قيل للإرسال ، وقيل للإغراق ، وقيل لهما باعتبار ما وقع . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [ 70 ] . قال بعض أهل العلم : من تكريمه لبين آدم خلقه لهم على أكمل الهيئات وأحسنها ؛ فإن الإنسان يمشي قائما منتصبا على رجليه ، ويأكل بيديه . وغيره من الحيوانات يمشي على أربع ، ويأكل بفمه . ومما يدل لهذا من القرآن قوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( 4 ) [ التين : 4 ] ، وقوله : وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [ غافر : 64 ] وفي الآية كلام غير هذا . والعلم