الشنقيطي

440

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الغرائب والعجائب ليلة الإسراء والمعراج فتنة للناس ، لأن عقول بعضهم ضاقت عن قبول ذلك ، معتقدة أنه لا يمكن أن يكون حقا ، قالوا : كيف يصلي ببيت المقدس ، ويخترق السبع الطباق ، وير ما رأ في ليلة واحدة ، ويصبح في محله بمكة ؟ هذا محال ! فكان هذا الأمر فتنة لهم لعدم تصديقهم به ، واعتقادهم أنه لا يمكن ، وأنه جل وعلا جعل الشجرة الملعونة في القرآن التي هي شجرة الزقوم فتنة للناس ، لأنهم لما سمعوه صلى اللّه عليه وسلم يقرأ إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ( 64 ) [ الصافات : 64 ] قالوا : ظهر كذبه ؛ لأن الشجر لا ينبت في الأرض اليابسة ، فكيف ينبت في أصل النار ؟ فصار ذلك فتنة . وبين أن هذا هو المراد من كون الشجرة المذكورة فتنة لهم بقوله : أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ( 62 ) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ( 63 ) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ( 64 ) [ الصافات : 62 - 64 ] الآية ، وهو واضح كما تر . وأشار في مواضع آخر إلى الرؤيا التي جعلها فتنة لهم ، وهو قوله : أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى ( 12 ) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ( 13 ) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ( 14 ) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ( 15 ) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ( 16 ) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ( 17 ) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى ( 18 ) [ النجم : 12 - 18 ] . وقد قدمنا إيضاح هذا في أول هذه السورة الكريمة . وبهذا التحقيق الذي ذكرنا تعلم أن قول من قال : إن الرؤيا التي أراه باللّه إياها هي رؤياه في المنام بني أمية على منبره ، وإن المراد بالشجرة الملعونة في القرآن بنو أمية لا يعول عليه ؛ إذا لا أساس له من الصحة . والحديث الوارد بذلك ضعيف لا تقوم به حجة . وإنما وصف الشجرة باللعن لأنها في أصل النار ، وأصل النار بعيد من رحمة اللّه . واللعن : الإبعاد عن رحمة اللّه ، أو لخبث صفاتها التي وصفت بها في القرآن ، أو للعن الذين يطعمونها . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ( 61 ) [ 61 ] . قوله تعالى في هذه الآية عن إبليس : أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ( 61 ) يدل فيه إنكار إبليس للسجود بهمزة الإنكار على إبائه واستكباره عن السجود لمخلوق من طين ، وصرح بهذا الإباء والاستكبار في مواضع أخر ؛ فصرح بهما معا « في البقرة » في قوله إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 34 ) [ البقرة : 34 ] وصرح بإبائه « في الحجر » بقوله إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ( 31 ) [ الحجر : 31 ] ، وباستكباره « في ص » بقوله إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 74 ) [ ص : 74 ] وبين سبب استكباره بقوله قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( 76 ) كما تقدم إيضاحه « في البقرة » وقوله : طِيناً ( 61 ) حال ؛ أي لمن خلقته في حال كونه طينا . وتجويز الزمخشري كونه حالا من نفس الموصول غير ظاهر عندي . وقيل : منصوب بنزع الخافض ؛ أي من طين . وقيل : تمييز ، وهو أضعفها . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : قالَ أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ