الشنقيطي

438

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وأصح الأعاريب في قوله : أَيُّهُمْ أَقْرَبُ أنه بدل من واو الفاعل في قوله يَبْتَغُونَ وقد أوضحنا هذا « في سورة المائدة » بما أغنى عن إعادته هنا ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً ( 58 ) [ 58 ] . قال بعض أهل العلم : في هذه الآية الكريمة حذف الصفة ، أي وإن من قرية ظالمة إلا نحن مهلكوها . وهذا النعت المحذوف دلت عليه آيات من كتاب اللّه تعالى ؛ كقوله وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ ( 59 ) [ القصص : 59 ] وقوله : ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ ( 131 ) [ الأنعام : 131 ] . أي بل لا بد أن تنذرهم الرسل فيكفروا بهم وبربهم . وقوله وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ( 117 ) [ هود : 117 ] ، وقوله وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً ( 8 ) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً ( 9 ) [ الطلاق : 8 - 9 ] إلى غير ذلك من الآيات . وغاية ما في هذا القول حذف النعت مع وجود أدلة تدل عليه . ونظيره في القرآن قوله تعالى : وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ( 79 ) [ الكهف : 79 ] أي كل سفينة صالحة ؛ بدليل أن خرق الخضر للسفينة التي ركب فيها هو وموسى يريد به سلامتها من أخذ الملك لها ، لأنه لا يأخذ المعيبة التي فيها الخرق وإنما يأخذ الصحيحة . ومن حذف النعت قوله تعالى : قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ [ البقرة : 71 ] أي بالحق الواضح الذي لا لبس معه في صفات البقرة المطلوبة . ونظيره من كلام العرب قول الشاعر ، وهو المرقش الأكبر : ورب أسيلة الخدين بكر * مهفهفة لها فرع وجيد أي فرع فاحم وجيد طويل ، وقول عبيد بن الأبرص : من قوله قول ومن فعله * فعل ومن نائله نائل أي قوله قول فصل ، وفعله فعل جميل ، ونائله نائل جزيل ، وإلى هذا أشار في الخلاصة بقوله : وما من المنعوت والنعت عقل * يجوز حذفه وفي النعت يقل وقال بعض أهل العلم : الآية عامة . فالقرية الصالحة إهلاكها بالموت ، والقرية الطالحة إهلاكها بالعذاب . ولا شك أن كل نفس ذائفة الموت . والمراد بالكتاب : اللوح المحفوظ ، والمسطور : المكتوب ؛ ومنه قول جرير : من شاء بايعته مالي وخلعته * ما تكمل التيم في ديوانها سطرا وما يرويه مقاتل عن كتاب الضحاك بن مزاحم في تفسير هذه الآية : من أن مكة