الشنقيطي
436
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تنبيه في هذه الآية الكريمة - الرد الواضح على القدرية في قولهم : إن الشر لا يقع بمشيئة اللّه ، بل بمشيئة العبد ؛ سبحان اللّه وتعالى علوا كبيرا عن أن يقع في ملكه شيء ليس بمشيئته ؟ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا [ الأنعام : 107 ] ، وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها [ السجدة : 13 ] الآية ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى [ الأنعام : 53 ] إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً ( 46 ) [ 46 ] . بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة ، أن نبيه صلى اللّه عليه وسلم إذا ذكر ربه وحده في القرآن بأن قال « لا إله لا اللّه » ولى الكافرون على أدبارهم نفورا ، بغضا منهم لكلمة التوحيد ، ومحبة للإشراك به جل وعلا . وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر ، مبينا أن نفورهم من ذكره وحده جل وعلا سبب خلودهم في النار ، كقوله : وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 45 ) [ الزمر : 45 ] ، وقوله : ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ( 12 ) [ غافر : 12 ] ، وقوله : إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ( 35 ) وَيَقُولُونَ أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ ( 36 ) [ الصافات : 35 - 36 ] ، وقوله : كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [ الشور : 13 ] الآية ، وقوله : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا [ الحج : 72 ] ، وقوله : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ( 26 ) [ فصلت : 26 ] . وقوله في هذه الآية : نُفُوراً ( 46 ) جمع نافر ؛ فهو حال . أي ولوا على أدبارهم في حال كونهم نافرين من ذكر اللّه وحده من دون إشراك . والفاعل يجمع على فعول كساجد وسجود ، وراكع وركوع . وقال بعض العلماء : « نفورا » مصدر ، وعليه فهو ما ناب عن المطلق من قوله وَلَّوْا لأن التولية عن ذكره وحده بمعنى النفور منه . قوله تعالى : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا ( 56 ) أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً ( 57 ) [ 56 - 57 ] . بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن المعبودين من دون اللّه الذين زعم الكفار