الشنقيطي
424
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ونهيه صلى اللّه عليه وسلم عن البول في الماء الراكد ، لا شك في أنه يدل على النهي عن البول في قارورة مثلا وصب البول من القارورة في الماء الراكد ؛ إذ لا فرق يؤثر في الحكم بين البول فيه مباشرة وصبه فيه من قارورة ونحوها ، وأمثال هذا كثيرة جدا ، ولا يمكن أن يخالف فيها إلا مكابر . ولا شك أن في ذلك كله استدلالا بمنطوق به على مسكوت عنه . وكذلك نوع الاجتهاد المعروف في اصطلاح أهل الأصول « بتحقيق المناط » لا يمكن أن ينكره إلا مكابر ، ومسائلة التي لا يمكن الخلاف فيها من غير مكابر لا يحيط بها الحصر ، وسنذكر أمثلة منها ؛ فمن ذلك قوله تعالى : يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ [ المائدة : 95 ] فكون الصيد المقتول يماثله النوع المعين من النعم اجتهاد في تحقيق مناط هذا الحكم ، نص عليه جل وعلا في محكم كتابه . وهو دليل قاطع على بطلان قول من يجعل الاجتهاد في الشرع مستحيلا من أصله . والإنفاق على الزوجات واجب ، وتحديد القدر اللازم لا بد فيه من نوع من الاجتهاد في تحقيق مناط ذلك الحكم . وقيم المتلفات واجبة على من أتلف ، وتحديد القدر الواجب لا بد فيه من اجتهاد . والزكاة لا تصرف إلا في مصرفها ، كالفقير ولا يعلم فقره إلا بأمارات ظنية يجتهد في الدلالة عليها بالقرائن ؛ لأن حقيقة الباطن لا يعلمها إلا اللّه . ولا يحكم إلا بقول العدل ، وعدالته إنما تعلم بأمارات ظنية يجتهد في معرفتها بقرائن الأخذ والإعطاء وطول المعاشرة . وكذلك الاجتهاد من المسافرين في جهة القبلة بالأمارات ، إلى غير ذلك مما لا يحصى . ومن النصوص الدالة على مشروعية الاجتهاد في مسائل الشرع - ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في ذلك ، قال مسلم بن الحجاج رحمه اللّه في صحيحه : حدثنا يحيى بن يحيى التميمي ، أخبرنا عبد العزيز بن محمد ، عن يزيد بن عبد اللّه بن أسامة بن الهاد ، عن محمد ابن إبراهيم ، عن بسر بن سعيد ، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص ، عن عمرو بن العاص : أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر » « 1 » . وحدثني إسحاق بن إبراهيم ، ومحمد بن أبي عمر كلاهما عن عبد العزيز بن محمد بهذا الإسناد مثله ، وزاد في عقب الحديث : قال يزيد : فحدثت هذا الحديث أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فقال : هكذا حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة ، وحدثني عبد اللّه بن عبد الرحمن الدارمي : أخبرنا مروان يعني ابن محمد الدمشقي ، حدثنا الليث بن سعد ، حدثني يزيد بن عبد اللّه بن أسامة بن الهاد الليثي بهذا الحديث ، مثل رواية عبد العزيز بن محمد بالإسنادين جميعا - انتهى . فهذا نص صحيح من النبي صلى اللّه عليه وسلم ، صريح في جواز الاجتهاد في الأحكام الشرعية ،
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الأقضية حديث 15 .